تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 637

مساهمون:

ص٦٣٧
إنّ النّفس الّتي تثق في هذه الحقيقة لا ترتد أبدا إلى ذلك اليأس القاتل ، ولا إلى ذلك التّساهل البليد نحو الذات . ذلك أنّ فكرة لطف الشّرع الإلهي الّذي لا يأمرنا بأن نخرج من فطرتنا ، يقابلها في ضميرنا فكرة العلم الشّامل العلوي لخالق هذا الشّرع . هذا العلم الشّامل وحده ، الّذي يطلع على أعماق قلوبنا ، والّذي يقيس قياسا دقيقا حدود قدرتنا - هو الّذي يستطيع أن يحكم بحقّ إن كنّا لا نزال نطيق أن نبذل جهدا ، لكشف نقائصنا المستورة ، نقائص سلوكنا الباطني ، وتصحيحها - هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى ، إنّ فكرة وجود اللّه ذي الجلال في كلّ مكان ، تلك الفكرة الّتي تملأ نفوسنا اهتماما بالأخلاق ، وبالصرامة نحو أنفسنا - هذه الفكرة يخففها بدورها فكرة الرّحمة الّتي تمديدها دائما إلينا ، لا من أجل أن تتلقى أولئك الّذين يرجعون من غفلتهم ، ويحاولون أن ينهضوا من كبوتهم - فحسب ، ولكن من أجل أن تساعدهم ، وتمدهم بقوة يتراحب مداها دائما . في هذا الضّوء يصف لنا القرآن حالة نفس المؤمن ، فهي ليست يائسة من روح اللّه :
إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ
« 1 » ، ولا هي آمنة من مكره :
فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
« 2 » وإنّما هي دائما في منتصف طريق ، بين الأمل ، والخوف ، أو بالأحرى ، تغذي كلا الشّعورين في وقت واحد :
يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ
« 3 » .
هامش
( 1 ) يوسف : 87 . ( 2 ) الأعراف : 99 . ( 3 ) الزّمر : 9 .