ضميرنا بشعورين متناقضين ، ينتهي كلّ منهما إلى نتيجة لا ترضي النّزعة الأخلاقية ؛ إذ أننا من النّاحية القانونية نعتبر أنفسنا قد أدينا ما علينا ، ما دمنا غير ملزمين مطلقا بعمل المستحيل .
بيد أنّ ملاحظة نقصنا الأساسي ( الجواني ) ، وليكن اضطراريا ، يجب أن تثير فينا شعورا باحتقار أنفسنا ، فلسنا نملك ألا ندين هذه الفطرة العقيمة إدانة لا نقض فيها ، ولا إبرام ، لأنّها غير جديرة بمطامحنا الأخلاقية .
وهكذا نجد أنّ الاعتبار الأوّل ، وهو اعتبار منطقي لا حرارة فيه ، يمنح نشاطنا ، وهمتنا إجازة ، ويدعونا إلى أن نستريح في هدوء على هذا الحدّ ، كأنّه لا يقبل التّجاوز بحال . فإذا ما ارتضينا هذه الوقفة ، واستطالت قليلا فسرعان ما تتحول إلى تقهقر تدريجي .
وإذا كانت ملاحظة هذا البون ما بين واقعنا ، ومثلنا تشعل - بالعكس - النّار في قلوبنا ، وتجعلنا ثائرين ضد أنفسنا ، فقلما يكون ذلك من أجل إصلاح فطرتنا ، وهو أمر نعتبره - على سبيل الفرض - مستحيلا ، بل هو من أجل أن ننقم على ظرفنا التّعيس . هذه الكراهية الّتي لا جدوى من ورائها ، والّتي تسمى « اليأس » ، تقود الإنسان حتما إلى نفس الوقفة أوّلا ، ثمّ إلى التّقهقر الّذي أشرنا إليه منذ قليل . وذلكم هو الإنسان ، طالما اعتمد على قواه ، وأنواره الخاصة .
هذا كلّه في مقابل نفس مغذوّة بالإيمان ، مملوءة بالثقة في هذه الحقيقة الحيّة ، والعلوية ، هذه الحقيقة الّتي لا حدود لخيرها ، ولا لقوتها ، والّتي هي موضوع حبّنا واحترامنا ، ونطلق عليها : اللّه .
دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 636
مساهمون: محمد عبد الله دراز
ص٦٣٦