تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 608

مساهمون:

ص٦٠٨
عبوديتهم للّه ، وأن يحدوهم على الخيرات ، ولا يدعوهم إليها ، فصاحب التّقوى بمنزلة رجل خرج من الحمام ، وقد تطهّر من الأدناس ، والأوساخ ، ولبس ثيابا بيضا ، فإذا رأى غبارا ، أو هاجت رياح ، توقّى على رأسه ، ولحيته ، وثيابه أشدّ التّوقي » « 1 » . ويقول الإمام الغزالي : « التّقوى صفة قلب مال عن حبّ الدّنيا ، وبذلها إيثارا لوجه اللّه تعالى » « 2 » . ولقد يبدو غريبا أن نخص بالصدارة جانبا ذاتيا من الواجب ، وهو جانب لا يعتبر سوى مرحلة بعيدة من مراحل الخير الفعلي . والواقع أنني لا أستطيع أن أنقذ حياة جاري ، أو أوفر له حقّه في العيش الرّغيد لمجرد حبّي الباطني له . هذا صحيح . ولكن ، يجب - أوّلا - ألا نبالغ إلى غير ما حدّ - في دور النّتيجة النّهائية في أداء الواجب . فمن المعلوم أنّ هذه النّتيجة النّهائية لا تصدر فقط عن جهدنا الأخلاقي ، ولا عن نشاطنا البدني ، ولكنها تتطلب تعاون مجموعة كبيرة من الظّروف الطّبيعية ، وحتّى ما فوق الطّبيعية . وحينئذ يصبح واجبنا محصورا في أضيق الحدود ، فهو يقتصر على استعمال الوسائل الّتي في حوزتنا ، وليس عليه أن يوصلها إلى غايتها . ومن ثمّ فإنّ العقل ، والقلب ، والبدن ، تبدو لنا كلّها أسبابا ،
هامش
( 1 ) انظر ، الحكيم التّرمذي ، الأكياس ، والمغترين : 99 - 100 من المخطوطة 104 تصوف بالمكتبة الظّاهرية بدمشق ، وقد نقل المؤلف النّص بمعناه ، ورجعنا إلى الأصل فنقلناه بحرفه ، وربما التبست عبارة التّرمذي : ( وأن يحدوهم على الخيرات ، ولا يدعوهم إليها ) - على فهم القارئ ، وأهل المراد : أنّ التّقي يحمل النّاس على الخيرات حملا بفعله ، ويدفعهم إليها ، ولا يكتفي بمجرد الدّعوة اللّسانية . واللّه أعلم . « المعرب » . ( 2 ) انظر ، إحياء علوم الدّين للغزالي : 4 / 357 .