ذلكم هو الجانب الّذي يعود إلى العمل الباطني في تحقيق الخير الموضوعي ، فهو ليس شرطا ضروريا فيه وحسب ، ولكنه سبب مؤثر بوساطة العمل الظّاهري ، الّذي ليس سوى ( مكمل ، وانعكاس ) للأوّل .
أضف إلى ذلك أنّ أوامر القانون الأخلاقي ليس هدفها الوحيد أن تثبت العدالة في الدّنيا ، وإنّما هدفها كذلك تقويم شخصنا ، بأن ترفعنا فوق الأشياء الأرضية ، والحياة الحيوانية .
والعمل الباطني من وجهة النّظر العامّة لم يكن سوى وسيلة بعيدة ، وسبب غير مباشر . وهو من هذه الوجهة الجديدة إمّا أن يكون غاية في ذاته ، وإمّا أن يكون المرحلة الأخيرة في السّلسلة السّببية ، فهو يتصل بالغاية النّهائية الّتي يتحقق بها هدف الواجب على وجه الكمال .
وليس معنى هذا أنّ النّشاط المادي تتوقف الحاجة إليه عند هذه النّقطة ، ولكنه يغير دوره فحسب ، أو بعبارة أدق : يصبح دوره مزدوجا : فبدلا من أن يجنح بنتائجه إلى الخارج فقط ، يستدير في الوقت نفسه إلى الدّاخل ، ليقوي استعداداتنا الفطرية ، ويزيد في تأصيلها .
ألم يؤكد القرآن أنّ الإحسان يثبت النّفس ، فقال جلّ ذكره :
يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ
« 1 » ، ويطهر الإنسان ، ويزيد في قيمته :
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها
« 2 » . وهذا هو شأن الأعمال الصّالحة كلّها ، كما قال الإمام الغزالي ، فالهدف منها أساسا تغيير صفات أنفسنا : « فلا تظننّ أنّ في وضع
هامش
( 1 ) البقرة : 265 .
( 2 ) البقرة : 265 .