تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 594

مساهمون:

ص٥٩٤
الاحترام ؟ . . وأليس من حقي أن أقول في نفسي : إنّ التّصرف على هذا النّحو تصرف حميد ؟ . وحالة ثالثة : في الحقّ أنّ نشر العلم الحقيقي واجب على كلّ فرد بحسب وسائله ، أي على قدر الاستطاعة . فمن الواجب علينا أن نتقاسم مع الآخرين ما لدينا من حقائق ، وليس أقل من ذلك وجوبا أن يكون عملنا هذا قائما على بصيرة . والعلم سلاح ذو حدين ، يمكن أن يكون في خدمة العدالة ، كما قد يصبح في خدمة الهوى . وإذن ، فهل لأولئك الّذين يحملهم المزاج ، أو المنفعة ، أو العادة على أن يسيئوا استخدام العلم - هل لهم حقّ في معارفنا ؟ ولكن إذا لم يكن في نيتي أن أساعدهم على الإساءة ، وإذا كنت أريد أن أنورهم ، فقط ، وبكلّ طيبة ، ثمّ أدعهم ، وشأنهم ، يتصرفون على مسئوليتهم الكاملة - أليست هذه من جانبي لفتة كريمة ، تستحق الثّناء ؟ . كلا . . . هكذا يؤكد أخلاقيونا ، فإنّ الشّر لا يمكن أن يصبح خيرا بفضل كيمياء الإرادة ، وبهذا النّوع من سذاجة الضّمير الّذي أخطأ طريقه « 1 » ، وليس لدى أخطائنا الموهبة السّحرية القادرة على تطهير الدّنس ، بل إنّ هذا الخلط ، والتّلون الّذي نلجأ إليه يعتبر في أقوال الغزالي إثما آخر ، قال : « بل قصده الخير بالشرّ على خلاف مقتضى الشّرع شرّ آخر ، فإن عرفه فهو معاند للشرع ، وإن جهله فهو عاص يجهله ( فجهله مزدوج ، لأنّه يجهل الشّرع ، ويجهل أنّه يجهله ، وقد قيل : أشدّ من الجهل الجهل بالجهل ) إذ طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ، والخيرات
هامش
( 1 ) بهذا نرى أنّ الشّر الأخلاقي لا يأتي هنا من أنّ الإرادة اتجهت إلى عمل مستهدفة عملا آخر ، وإنّما هو يأتي بعكس ذلك تماما نتيجة هذا النّوع من قصور الضّمير ، الّذي لا يرى أبعد من العمل المباشر العاجل .