تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
ومع ذلك فقد توجد بعض الواجبات الفردية ، وبتعبير أدق : بعض الشّعائر الدّينية ، تغاضى الفقهاء المسلمون بشأنها عن غيبة النّيّة ، وهو موقف عام لهم ، إن لم يكن إجماعا بينهم . ومثال ذلك حالة الاستبراء ، والتّطهر ، وسائر مقدمات الصّلاة ، فمن المعروف أنّ على كلّ مسلم إذا أراد أداء الصّلاة - أن يمر قبلها بنوع من مرحلة الانتقال ، وهو الانتقال من العالم الدّنس للحياة الأرضية ، إلى العالم المقدس للحياة الرّوحية ، فيجب أوّلا أن يزيل النّجاسات ، والوساخات من مكان عبادته ، كما يزيلها من بدنه ، وملابسه ، وهي الملابس الّتي ينبغي أن تكون ذات هيئة محتشمة . ويجب فضلا عن ذلك أن يقوم ، تبعا للحالة ، بتوضؤ جزئي ( فيغسل الوجه ، واليدين ، والقدمين ، ويمسح شعره ) ، أو بتوضؤ كلّي ( بأن يغتسل اغتسالا كاملا ) . ويجب أخيرا أن يولي وجهه شطر الكعبة « 1 » . وإذن ، فقد انعقد الإجماع تقريبا ، فيما يتعلق بالتوجه ، واللّباس ، والنّظافة الطّبيعية - على أنّه لا يلزم أن يكون أداؤها عن نيّة وإرادة ، أمّا فيما يتعلق بالنظافة الدّينية المحضة : ( الوضوء ، والغسل ) ، فقد اختلفت المذاهب : فعلى حين تشترط لها مذاهب أهل الحجاز ، ومصر ( المالكية ، والشّافعية ، والحنابلة ) - وجود النّيّة ، على أساس أنّها واجب بالنظر إلى الصّلاة ، يكتفي مذهب أهل العراق ( الحنفي ) بالواقع الموضوعي ، متى التزم في دقة ، حتّى لو كان عن غير نيّة « 2 » .
هامش
( 1 ) أكد القرآن أنّها أقدم مكان للعبادة وجد على الأرضإِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ،آل عمران : 96 . ( 2 ) النّيّة : وهي القصد إلى الفعل بدافع الإطاعة ، وامتثال أمر اللّه تعالى ، وقد اتفقوا على أنّها فرض في -