تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
ومع ذلك ، فقد لاحظنا قلة عددية ، تكاد تبلغ أحيانا حدّ النّدرة ، في الآيات المدنية ، المتعلقة بالجنّة ، أو النّار ، حتّى في جانبهما الرّوحي . فإذا ما وسعنا نطاق البحث وجدنا أيضا أنّ مراجع القيم الباطنة من النّصوص كثيرة جدا ، في المرحلتين ، وكأنّها متناسبة مع زمانها الخاص ، ومع حجم الحديث المطابق لها « 1 » . وفي مقابل ذلك نجد أنّه على حين يبدأ الحديث الأخروي يقل في المدنية - يظهر اتجاه معاكس له في إطار الاعتبارات الأخرى ، فمن الآن فصاعدا يفسح التّبليغ مكانا أرحب للشعور بالحضور الإلهي ، وللنتائج العاجلة ، ذات الطّابع الأخلاقي ، والاجتماعي ، والرّوحي . ونرى أيضا مجموعة جديدة تظهر ، يفرض الواجب فيها بسلطانه الشّكلي المحض ، وكلّ هذا يسمح لنا أن نرى ، أنّ العالم الإسلامي قد شهد مع الهجرة تقدما للأفكار الأخلاقية ، لا تخلفا كما كان يقال غالبا . وأيّا ما كان الأمر ، فإذا كنّا قد عرفنا - هكذا - الوسائل الكثيرة الّتي يستخدمها القرآن لتسويغ أمره ، والجانب الّذي فسحه للدوافع الأخلاقية السّامية ، بما في ذلك التّجرد المطلق ، والخضوع للشرع لمجرد احترام الشّرع - إذا عرفنا ذلك يصبح من الظّلم بداهة أن تتهم الأخلاق القرآنية بأنّها أخلاق نفعية . إنّ أكثر ما نملك هو أن نتطلب لأخلاق محضة جزاء أخلاقيا لا غير ، وبذلك يمكن أن ننكر على هذه الأخلاق أن تكون مختلطة . وربما كان هذا الجهاز المادي للثواب ، والعقاب الأخروي - على الرّغم من أنّه ليس الوحيد في المواجهة - من الأمور الّتي نود ألا تكون ، حتّى نرد إلى الجزاء الإلهي قيمته
هامش
( 1 ) من المعلوم أنّ النّصوص المنزلة بعد الهجرة تكاد تشغل ثلث القرآن .