تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
أو يشبعه . وإذا كان يلمس القلب فإنّما يلمسه بحكمة ، واعتدال ، ولكنه من ناحية أخرى لا يكشف لنا عن نفسه على أنّه ثمرة علم بلغ هدفه منذ البداية ، ولا على أنّه ثمرة خيال جامح ، كما افترضه بعضهم ، لدى الإنسان الّذي أبلغنا إياه ، وإنّما هو ثمرة تعليم منزه متدفق ، يبدو مع ذلك أنّه متصل بخطة توقيفية ، لا تجارب فيها ، ولا تنقيحات . ثالثا : وأبرز ملامح السّعادة الحسية ، أعني : أكثرها ذكرا ، موجود - كما رأينا - في تلك الإشارة إلى
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
« 1 » . وكلّ منا استطاع أن يجرب تلك اللّذة الّتي يثيرها منظر الماء الجاري حين ينظر إليه من عل ، وزد على ذلك أنّ في هذا دون شك أنزه ما يلذ النّظر ، وأطهره ، والقرآن يومئ إلينا منه بمعنى أكثر عمقا ، وبسعادة أحلى مذاقا ، ليس هو مطلقا ذلكم الموقف الّذي يثير الأحلام ، ويلهم الشّعر ، ولكنه واقع أخلاقي في جوهره ، هو : نسيان كلّ حزن ، وذهاب كلّ حقد من القلوب :
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ
« 2 » . رابعا : أمّا فيما يتعلق بطعام الجنّة اللذيذ ، فإنّ التّفسير يحدد بمقتضى تعبير الآية :
فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ
« 3 » أنّ ضيوف السّماء سوف يتعاطونه لمجرد السّرور والابتهاج ، وليس حاجة إلى حفظ حياتهم ، أو صحتهم ، ذلك أنّهم لما كانوا قد من اللّه عليهم بأبدان لا تقبل الفساد - لم تعد بهم حاجة إلى أي وقاية « 4 » .
هامش
( 1 ) البقرة : 25 . ( 2 ) الأعراف : 43 . ( 3 ) الصّافات : 42 . ( 4 ) انظر ، تفسير الجلالين : 590 ، سورة الصّافات : 42 .
دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 526 | محمد عبد الله دراز