تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
للآخر ؟ ! وبأي احتقار كان ينظر إلى مهانة اللّص ، وخبال المخمور ، ودناءة النمام ؟ ! . الحقّ أنّ تلكم الأمّة لم تكن ينقصها العطف ، والرّحمة الإنسانية ، ولكنها كان يجب أن تسكت هذه الرّقة المصطنعة ، وتتجاوزها بروح النّظام ، والطّاعة ، وصدق اللّه :
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
« 1 » . أمّا فيما يتعلق باحترام شخص الإنسان ، وحقّ الفرد في الأمن ، فمن البدهي أنّهما ما كانا لينشدهما إلّا أولئك الّذين يعرفون كيف يحافظون على كرامة الإنسان . وليس يقتصر أثر الزّلل على أنّه يفقد الفرد قيمته فحسب ، بل إنّه يجعله عرضة للتجريح ، وهو لا يلوم إلّا نفسه إذا أصابه هذا التّجريح ، لأنّه هو نفسه الّذي مزق أستاره الواقية . واستمعوا إلى هذا التّأمل العميق لشاعر عربي « 2 » :
يد بخمس مئين عسجد وديت * ما بالها قطعت في ربع دينار عز الأمانة أغلاها ، وأرخصها * ذلّ الخيانة ، فافهم حكمة الباري
على أننا ينبغي أن نذكر أنّ هذه القسوة ضد اللّصوص ليست سوى قسوة ظاهرة ، وفي نطاق النّظرية ، أمّا من النّاحية العملية ، فكلما كانت العقوبة أشد تنكيلا قل غالبا تطبيقها ، فعظم الجزاء يجعل مخالفته أدنى إغراء ، وأقل إغواء ،
هامش
( 1 ) النّور : 2 . ( 2 ) ينسب البيت الأوّل إلى أبي العلاء المعري بعد ما شكك في الشّريعة ، فاجابه بالبيت الثّاني الشّريف الرّضي ، وقيل : القاضي عبد الوهاب المالكي . انظر ، الإقناع : 12 / 190 ، مغني المحتاج : 4 / 158 ، إعانة الطّالبين : 4 / 178 ، فيض القدير : 1 / 299 .