تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
فالمرتبة الأولى ، تتكفل بمجازاة عدد قليل من الجرائم « 1 » ، هي ( الحرابة ) والسّرقة ، وشرب الخمر ، والزّنا ، والقذف ، أمّا الجرائم الأخرى فتتبع المرتبة الثّانية . وليس أهم ما يميز الطّائفة الأولى - أنّ العقوبة فيها محددة تحديدا دقيقا ، كيفا ، وكما . ولكنها فضلا عن ذلك - ذات صبغة مطلقة ، وهي بهذا المعنى لا يتوقف تطبيقها ، لا على حالة المذنب ، ( ذي سوابق ، أو لا ، قابلا للإصلاح ، أو غير قابل ، يخيف النّاس ، أو لا يخيفهم ) ، ولا على مشاعر الضّحايا . صحيح أنّ لهؤلاء الحقّ في ألا يلاحقوا المجرم أمام القضاء ، سواء بأن يعفوا عن عمله العدواني عفوا تاما ، أو بأن يصطلحوا متراضين معه ، وحينئذ لا يكون للجزاء الشّرعي مجال . ولكن متى صارت الجريمة عامة ، أعني متى اتصلت بعلم السّلطة المختصة - فإنّ أصحاب الحقّ يكونون بذلك قد تنازلوا عن حقهم ،
هامش
( 1 ) ألا ينتمي القتل العمد إلى نفس المجموعة ؟ يقول أكثر الفقهاء : لا ، وحجتهم في ذلك أنّ حقّ أولياء القتيل يغلب هنا على الحقّ الجماعي ، وحتّى لو كانت القضية قد قدمت للقضاء فإنّ عفو هؤلاء الأولياء عن القاتل يكفي لسحب القضية من يدي السّلطة العامة الّتي لن يكون لها حينئذ أن تدعي شيئا ضد المعتدي . أمّا المالكية فتذهب إلى عكس ذلك ، مستندة إلى بعض الأحاديث ، الّتي كانت موضع جدل ، وهي تقرر أنّ عفو أسرة الميت يكفي لتخفيف العقوبة ، لا لالغائها ، والمجرم في هذه الحالة سوف يعفى من عقوبة الموت ، ولكن لا ينبغي أن يمضي مطلقا بلا عقاب ، ويرون من الخير أن يجلد مائة جلدة ، ويقضي عاما في السّجن ، أو التّغريب ، وذلك لتقليل فرصة عودته إلى الجريمة ، وفي الوقت ذاته لتقليل الأثر المصاحب المعدي لهذا المثل السّيئ . ولنذكر مع ذلك أنّ هذا الخلاف لا موضع له إلّا في حالة القتل العادي ، الّذي يحدث في مشاجرة ، مثلا ، أمّا حالات القتل البشعة ، أو المتعمدة ، مثل : الاغتيال ، أو القتل غدرا ، والإيقاع في كمين . . إلخ . فإنّ كلّ المذاهب مجمعة على أنّ عفو الأفراد قاصر مطلقا في هذا الصّدد ، وأنّ من الواجب تطبيق عقوبة الأعدام على القاتل .