الفصل الحادي والعشرون في القراءة
قال أبو حامد : إذا قلت « بسم اللّه الرحمن الرحيم » فأنوبه التبرك لابتداء القراءة بكلام اللّه ، وافهم ان معناه ان الأمور كلها باللّه ، وان المراد بالاسم هنا هو المسمى ، فإذا كانت الأمور باللّه فلا جرم كان « الحمد للّه » ، إذ النعم منه ، ومن يرى من غير اللّه نعمة أو يقصد غير اللّه بشكره لا من حيث إنه مسخر من اللّه ففي تسميته وتحميده نقصان بقدر التفاته إلى غير اللّه .
فإذا قلت : « الرحمن الرحيم » فأحضر في قلبك أنواع لطفه تتضح لك رحمته ، فينبعث به رجاؤك ، ثم استشعر من قلبك التعظيم والخوف بقولك :
« مالك يوم الدين » ، أما العظمة فلأنه لا ملك إلا له ، وأما الخوف فلهول يوم الجزاء والحساب الذي هو مالكه .
ثم جدد الإخلاص بقولك :
« إياك نعبد »
وجدد العجز والاحتياج والتبري من الحول والقوة بقولك :
« وإياك نستعين »
، وتحقق انه ما تيسرت طاعتك الا باعانته ، وان له المنة إذا وفقك لطاعته واستخدمك لعبادته ، وجعلك أهلا لمناجاته ، ولو حرمك التوفيق لكنت من المطرودين مع الشيطان اللعين .
قيل : أتي بصيغة الجمع هضما لنفسه ، وان عبادته واستعانته ليستا قابلتين في معرض العدل ، فمزج عبادة غيره واستعانته أيضا في ذلك ، إذ لا تخلو جميع العبادات من عبادة مقبولة ، وتكون عبادته وغيرها كبيع الصفقة لا يرد بعضه ، ويقبل بعضه ، بل إما يرد الجميع أو يقبل الجميع ، واللّه سبحانه أكرم من أن يرد الجميع فيقبل الجميع ، وهذا من جملة فوائد الصلاة في