وهذا عين الجهل ، لأن الدنيا لو كان ذهبا فانيا والآخرة خزفا باقيا لكان الخزف الباقي خيرا من الذهب الفاني ، فكيف والدنيا خزف فان والآخرة ذهب باق ، كما قال تعالى :
« ما عندكم ينفد وما عند اللّه باق »
وقال تعالى :
« والآخرة خير وأبقى »
وقال تعالى :
« وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور »
.
وكون النقد خيرا من النسيئة مطلقا ممنوع ، فان النسيئة العظيمة الكثيرة خير من النقد القليل الحقير ، وفعل هذا المغرور حجة عليه ، فإنه يعطى خمسة دراهم نقدا ليأخذ عشرة نسيئة ، ويترك لذائذ الأطعمة بتحذير الطبيب نقدا خوفا من ألم المرض النسيئة ، ويتحمل المشاق والأسفار وقطع البحار نقدا لتوهم النفع نسيئة ، وكذا التاجر في سعيه وتصديعه على يقين وفي ربحه على شك ، وكذا المتفقه في اجتهاده شك وفي تعبه يقين ، والمريض من مرارة الدواء على يقين ومن الشفاء على شك ، فكون اليقين خيرا من الشك مطلقا ممنوع ، بل إذا كان مثله فالذي له شك في الآخرة يجب عليه بحكم الحزم أن يقول :
الصبر أياما قلائل في هذا العمر القصير قليل بالإضافة إلى ما يقال من أمر الآخرة ، فإن كان ما يقال في الآخرة كذبا فما فاتني الا نعم حقيرة فانية ، وان كان صدقا خلدت في النار أبد الآبدين ، وهذا لا يطاق .
هذا كله مع قطع النظر عن كون الآخرة يقين يحكم بها العقل السليم والفهم المستقيم ، وأخبر بها الأنبياء والمرسلون والأولياء والصالحون .
وأما الغرور باللّه فمثل قول بعضهم : فإن كان للّه معاد فنحن أحق به من غيرنا وأوفر حظا وأسعد حالا ، كما أخبر اللّه تعالى من قول الرجلين المتحاورين . إذ قال :
« وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا »
.
وذلك لأنهم تارة ينظرون إلى نعم اللّه عليهم في الدنيا فيقيسون عليها