تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 548

مساهمون:

ص٥٤٨
والانقطاع عن الدنيا وشهواتها ، فإنّ الأعضاء كما عرفت خدّامه وأتباعه ، فما لم يتنوّر أوّلا لم يسر نورانيّته إليها ولم ترتفع عنها ظلمة الأخباث والكدورات الحاصلة لها من مباشرة أمور الدنيا . ثم إنّه أمر في الوضوء أوّلا بغسل الوجه الذي هو مجمع أكثر الحواسّ الظاهرة التي هي عمدة أسباب مباشرة الأمور الدنيويّة ليتوجّه بوجه قلبه إليه تعالى خاليا عن تلك الأدناس ، وثانيا بغسل اليدين لمباشرتها أكثر الأمور الدنيوية والشهوات الطبيعية المانعة عن الإقبال إلى الآخرة ، وثالثا بمسح الرجلين للتوصّل بهما إلى أغلب المطالب الدنيوية فأمر بتطهيرهما جميعا ليسوغ له الدخول في عبادة اللّه والإقبال إلى اللّه بعد إقباله إلى الدنيا . وفي الغسل بغسل جميع البدن ، لأنّ أدنى حالات الإنسان وأشدّها تعلّقا بالملكات الشهوية حالة الجماع ولجميع البدن مدخل فيها كما ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أنّ تحت كلّ شعرة جنابة » « 1 » فكان غسله أجمع مهمّا في التأهّل لمقابلة الجهة الشريفة . وفي التيمّم بمسح الأعضاء بالتراب كسرا لتلك الأعضاء الرئيسة وهضما لها بملاقاة التربة الخسيسة ، ولمّا كان القلب هو الرئيس الآمر لها بما يبعّده عن الربّ ، وهو موضع التفاته تعالى ، كما ورد « أنّ اللّه لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم » « 2 » فله الحظّ الأوفر والمقام الأليق في تطهيره عن الرذائل المانعة عن تحليته بالفضائل من الأعضاء الظاهرة عند الفطن العاقل ، فإذا لم يمكنه ذلك لغاية رسوخ تلك الملكات فيها فلا أقلّ من إقامته مقام الهضم والانكسار والذلّ والعجز والافتقار ، كما أنّ في الأعضاء مع عدم التمكن من الماء يذلّلها بوضعها على التراب عسى أن يرحمه ربّه بذلّه وانكساره ، فإنّه عند المنكسرة قلوبهم فيهبّه نفحة من نفحات نوره ،
هامش
( 1 ) المحجّة البيضاء : 1 / 306 . ( 2 ) المحجّة البيضاء : 6 / 108 و 312 .