تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 539

مساهمون:

ص٥٣٩
واعلم أيضا أنّ أعلى مراتبها إرادة وجهه تعالى من حيث كونه أهلا للعبادة ومحبّته له واستغراقه في بحار جلاله وعظمته ومشاهدته فأنس به وفرح بعبادته وإلى هذه المرتبة أشار علي عليه السّلام بقوله : « إلهي ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنّتك لكنّي وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك » . « 1 » وأدنى منها قصد الثواب أو الخوف من العقاب كما أشرنا إليه ولا تصغ إلى من قال ببطلان العبادة بذلك زعما منه أنّه مناف لقصد الاخلاص الّذي هو إرادة اللّه وحده ، لأنّه قصد جلب نفع لنفسه ودفع ضرّ عنها لا وجه اللّه تعالى ، فإنّ أكثر الناس لإلفهم بالمحسوسات يتعذّر عليهم الوصول إلى مرتبة فهم تلك المرتبة ، فلا يعرفون منه تعالى إلّا المرجوّ والمخوف فلو كلّفوا بذلك عموما كان تكليفا بما لا يطاق لما عرفت من عدم إمكان حصولها إلّا بعد قطع الشهوات وقمعها والإعراض عن الدنيا بالكليّة والإقبال إلى اللّه وحبّه وأنسه المتفرّعين على كمال معرفته وحصولها لعامّة الناس غير ممكن ولو كلّفوا بذلك لفسدت المعائش وبطل النظام . والمراد من الاخلاص المشروط في صحّة النيّة المشروطة في العبادة أن لا تكون مشوبة بحظوظ الدنيا والأغراض النفسانية دون الحظوظ الأخرويّة وإن كانت ممّا يشابهها ، ولو كان ذلك مفسدا للعبادة بطل الوعد والوعيد والترغيب والترهيب بالجنّة والنار . وأمّا قول الصادق عليه السّلام : « العبّاد ثلاثة : قوم عبدوا اللّه خوفا فتلك عبادة العبيد ، وقوم عبدوا اللّه طلبا لثوابه فتلك عبادة الأجراء ، وقوم عبدوا اللّه حبّا له فتلك عبادة الأحرار ، وهي أفضل العبادة » « 2 » فهو وإن دلّ على ذمّ القسمين ونقصان درجاتهما إلّا أنّ آخره صريح في صحّتهما ، بل كونهما مستلزما لفضل وإن كان أقلّ وهو عين ما حقّقناه .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : 41 / 14 ، غوالي اللئالي : 10 / 404 . ( 2 ) الكافي : 2 / 84 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب العبادة ، ح 5 ، مع اختلاف .
كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 539 | محسن الأسدي / محمد حسن بن معصوم القزويني / محسن الأحمدي