تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦
فقدّموا إليه رغيفين إذ كان لا يأكل إلّا من كسب يده ، فدخل عليه قوم فلم يدعهم إلى الطعام حتى فرغ ، فتعجّبوا منه لما علموا من سخائه وزهده ، فقال : إنّي أعمل للقوم بأجرة وقدّموا إليّ الرغيفين لأتقوّى بهما على عملهم ، فلو أكلتم معي لم يكفكم ولم يكفني وضعفت عن عملهم « 1 » . فإنّ ضعفه عن العمل نقص في فرض وترك الدعوة إلى الطعام نقص في نفل « 2 » ولا حكم للفضائل مع الفرائض . فهكذا ينبغي للبصير أن ينظر إلى البواطن بنور اللّه تعالى . واعلم أنّ النية لا تحصل بمجرّد حديث النفس وحديث اللسان أو الانتقال من خاطر إلى خاطر ، بل هي على ما عرفت انبعاث النفس وميلها إلى ما ظهر لها أنّ فيه غرضا عاجلا أو آجلا ، فلا يمكن اختراع الميل بمجرّد الإرادة كما لا يمكن أن يقول الفارغ : نويت أن أعشق فلانا وأحبّه ، بل لا طريق إلى اكتساب الميل إلّا باكتساب أسبابه المقدورة تارة وغير المقدورة أخرى ، وإنّما ينبعث النفس إلى الفعل إجابة إلى الغرض الباعث الموافق للنفس وما لم يعتقد الإنسان أنّ غرضه منوط بفعل لم يتوجّه إليه قصده ، وذلك ممّا لا يقدر عليه كلّ حين ، وإذا اعتقد فإنّما يتوجّه القلب إذا كان فارغا غير مصروف عنه بشاغل أقوى ، وذلك لا يمكن في كلّ حين ، والدواعي والصوارف لها أسباب كثيرة بها تجتمع ، وتختلف ذلك بالأشخاص والأحوال والأعمال ، فمن يغلب عليه شهوة النكاح من دون اعتقاد غرض صحيح في الولد دينا ودنيا لا يمكنه الوقاع على نيّة الولد إذ النيّة إجابة الباعث ولا باعث إلّا الشهوة ، ومن لم يغلب عليه عظم فضل النكاح اتّباعا لسنّة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لا يمكنه نيّة اتّباع السنّة إلّا بحديث اللسان أو النفس . نعم طريق اكتسابها تقوية إيمانه بالشرع أوّلا وبعظم ثواب كثرة أمّة
هامش
( 1 ) المحجّة البيضاء : 8 / 120 - 121 . ( 2 ) كذا ، وفي المحجّة البيضاء : « فضل » ويؤيّده التعليل .