تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
واستعباد العباد ولو قهرا ، فالنفس تحبّ الكمال بالعلم والقدرة لذاته ، وإنّما تحبّ المال والجاه لكونها « 1 » من أسباب القدرة ، ولكونها غير متناهية لا تكاد تقف النفس في طلبهما إلى حدّ وتلتذّ على حسب ما تدركه وتطلب ما هو عادم له ممّا يتصوّر إمكانه في حقّه ، لكن حبّه للجاه أكثر من المال ، لأنّ المال معرض للتلف ، ومطمع الظلمة والسارقين ، فيحتاج إلى الحفظ والحراسة ، ويتطرّق إليه أخطار « 2 » كثيرة بخلاف القلوب لاحتفاظها من الآفات إلّا بتغيّر الاعتقاد ، ولأنّ التوصّل به إليه أيسر من العكس ، لأنّ الأموال مسخّرة للقلوب ، فتسخير القلوب يستلزم تسخيرها بطريق أولى ، بخلاف صاحب المال اللئيم الخسيس العاري عن الكمال ، حيث إنّه لا يمكن له التوصّل به إلى الجاه ولأنّ سرايته وازدياده لا يحتاج إلى مزيد كلفة وتعب بخلاف المال ، حيث يحتاج استنماؤه إلى مقاساة شديدة ونصب . ثم إنّ علاج هذه الرذيلة الموبقة مركّب من علم وعمل ، فالعلمي أن يتفكّر في أنّه وإن كان صادقا فيما تصوّره كمالا من العلم والقدرة وحبّه لهما إلّا أنّه اشتبه الأمر عليه بإغواء الشيطان في كون المال والجاه من الكمالات الحقيقية ، ولكونهما من أسباب القدرة ، فإن الكمال الحقيقي في الاستيلاء على الملك الذي لا زوال له ، والتمكّن من العزّ الذي لا ذلّ معه ، والحياة الأبديّة التي لا فناء يعتريها ، والسعادة الحقيقية التي لا قصور فيها ، فإنّ كمال المعلول في التشبه بمبدئه ، فكلّما كان عن التغيّر بالعوارض أبعد كان إليه تعالى أقرب ، وهذا مما لا يحصل للعبد إلّا بالعلم بحقائق الأشياء سيّما ما لا يكون قابلة للتغيّر والانقلاب ، كالعلم باللّه سبحانه وصفاته وأفعاله على نهج أجلى وأوضح وأتقن وأوفق للمعلوم ، فإنّه الاستيلاء الحقيقي الذي تترتّب عليه تأثيرات بعض النفوس في موادّ الكائنات بأنواع التأثيرات بقدر
هامش
( 1 ) كذا ، والظاهر : لكونهما . ( 2 ) في ج : خطا .