تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
تلخيص تلخّص ممّا ذكر كون المعيار في رجحان أحدهما على الآخر قلّة صدّه عن سلوك الآخرة وسهولة الوصول به إلى السعادات الدائمة ، وهو متفرّع على حبّ العبد للدنيا وعدمه ، فإنّه الصاد عنها لا وجود متاع الدنيا لديه ، فكم من فقير يشغله الفقر عن المقصد وكم من غنيّ لا يشغل بغناه ولا يصدّ ، بل يعينه على تقواه ويمدّه إلى ما فيه صلاح آخرته ودنياه ، فالغنيّ المحبّ لها مشغول عن اللّه تعالى بوصالها ، والفقير المحبّ لها مشغول عنه بفراقها ، فكلّ من كان علاقته بها أقلّ كان أفضل ، ومع التساوي فالغنيّ أكمل كما عرفت . وأنت إذا أحطت خبرا بما فصّلناه كنت في سعة من استخلاص نفسك عن تطويلات القوم في مقام الترجيح ، وذكر كل منهم الشواهد العقلية والنقلية على رأيه الغير الصحيح ، وعلمت أنّ ما فعله بعض الأعلام من عدّ الفقر من الفضائل والغني من الرذائل غلط عظيم ناش من عدم التعمّق التامّ في المقام ، فإن الغناء في نفسه ممدوح ، لأنّه صفة كمال وليس من جنس الملكات حتى يقال إنّه فضيلة أم رذيلة . وكذا حبّه لاستجلاب وجوه الخير منه أو لكونه صفة ممدوحة فضيلة وليست برذيلة . نعم حبّه للتوصّل به إلى المشتهيات رذيلة ، إلّا أنه بعينه حبّ الدنيا وغيره ممّا أشرنا إليه سابقا ، وأمّا الفقر فإنه صفة نقص في نفسه ، وليس من جنس الملكات حتّى يقال إنه رذيلة أو فضيلة ، وملكة البذل والانفاق حتى يصير فقيرا تبذير محرّم ، كما مرّت إليه الإشارة . نعم إذا علم إنه لا يتوصّل إلى الكمالات المطلوبة منه إلّا بالفقر كان حبّه له ممدوحا من باب المقدّمة ، وهذا كمال أنّ الخوف في نفسه نقص وإنّما يعدّ كمالا لو كان من اللّه تعالى لاستجلاب كما به ، فما لم يؤدّ إليه بل أدّى