فظهر ممّا ذكر أنّ جميع أفراد الغنى في نفسها خير وكمال ، وبالنظر إلى ما به الغنى أيضا وإنّما يعرض الذمّ والشّر لبعض غاياته في بعض أفراده مع قصدها ، بخلاف الفقر فإنّه نقص بالذّات وحرمان عن وجوه الخيرات وإنّما يعرض المدح والخيرية لبعض غاياته في بعض أفراده مع قصدها .
فتبيّن أنّ الغني من حيث إنّه غني أي واجد للشيء أشرف من الفقير من حيث إنه فقير ومعدم له .
يبقى كلام وهو أنّ الآيات والأخبار الدالّة على ذمّ الأغنياء ومدح الفقراء بقول مطلق كثيرة فما ذا يفعل بها ؟
فنقول : لمّا كانت استفادة وجوه الشرّ من الدنيا أيسر وأسهل والطباع إليه أميل ، وجنود الشرّ أقوى ودواعيه أظهر وأجلى كان صرفها في وجوه الخيرات من الأعمال والأفعال في غاية الصعوبة والاشكال .
ولذا لا ترى من الأغنياء من يصف نفسه بالحرّية واستيلاء قوّته العقلية على الشهويّة والغضبية إلّا قليلا من الماضين الذين سمعنا حكاياتهم ولم نطّلع بالمشاهدة على حقائق حالاتهم .
وأمّا أهل هذه الأعصار ممّن نشاهدهم في الأمصار فنفوس أغلبهم متّصفة بالرقية منقادة لقوتيه البهيمية والسبعيّة وجلّ هذه المعاصي والشرور والفضائح الحادثة على كرّ الدهور ناشئة من أرباب الدول ، وإن حدثت من الفقراء أيضا لكنه أقل لحرمانهم من أسبابها وتعذّر الدخول عليهم من أبوابها ، فإذا كان اجتناب المعاصي والسيّئات واقتناء الفضائل والسعادات مع الفقر أيسر وأسهل ومع الغناء أصعب وإن كان بطريق أكمل ، فالحري اللائق بطبيب النفوس الناقصة أن يجري الحكم على الأغلب الذي هو سهل الحصول رفقا بها ، وإهداء لها إلى الطريق الذي هو أقرب إلى الوصول ، فالتكاليف مختلفة باختلاف القابليات ، فمن لم يكن مستعدا للمرتبة العليا يجب الرفق به حتّى يصل إلى ما يتلوه ، وإن كان أدنى ، خوفا من أن يحرم
كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 238
مساهمون: محسن الأسدي
ص٢٣٨