الشاقة والرياضات البالغة ما أوصلتهم إلا لمقاصد دنيوية ومقامات ردية من غير رسوخ لهم بطريقة أهل البيت عليهم السّلام ولا تشبه لهم في أطوارهم وأصل هذا المعنى وبيانه : أن تعلم أن اللّه سبحانه وتعالى بلطف حكمته وجميل صنعته بهر العقول وأمتحن أهلها بأن طلب من الخلق أمورا كلية عظيمة ، وجعل مفاتيحها أمورا جزئية حقيرة ، فمن استعطم الأمور الموصلة إليها وتهاون عنها فاته ما أريد منه ، وكان ذلك من أعظم الأمتحان له ، ومن توسل بتلك الأمور الجزئية أو صلته إلى تلك المطالب النفيسة الكلية ، فهو لم يأت إلا الجزئي الحقير مع أنه أوصله إلى الكلي النفيس الكثير وذلك من أعظم السعادات له .
فتدبر هذه الحكمة البالغة وأمعن النظر يظهر لك كيف أقام الحجة البالغة على هذا الخلق ، وأكمل لهم النعمة السابغه ، فيا لها من نعمة : كيف اوصلهم بهذه الجزئيات إلى هذه المراتب السامية . ويا لها من حجة : كيف عرضوا أنفسهم للهلكة الدائمة ، والعقاب الأليم ، وكان يخلصهم منها الاتيان بجزئيات حقيرة . فمن تأمل هذه الحكمة واقتبسها من آثار أهل البيت عليهم السّلام ظهر له معنى قوله إن من استقل قليل الرزق حرم كثيره وان مبدأ كل الشرور والمهلكات هو استقلال القليل واستحقار الحقير كما أن مبدأ الخير نابع من مفهوم هذا الحديث وان من لم يستقل قليل الرزق لم يحرم كثيره وبعد
الطريق إلى الله — صفحة 29
مساهمون: الشيخ حسين البحراني
ص٢٩