تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
شرح
الصحيحين ما نيف على العشرين وفي غيرها بقية ذلك كما صح نقله واشتهرت رواته ، ثم رواه عن المذكورين من التابعين أمثالهم ، ومن بعدهم أضعافهم وهلم جرا . واجتمع على إثباته السلف وأهل السنة من الخلف اه . ومنهم من قال : إن لكل نبي من الأنبياء حوضا هناك يقوم عليه كنبينا صلّى اللّه عليه وسلم ، ففي حديث سمرة عند الترمذي « إن لكل نبي حوضا » كما يأتي للمصنف . ورواه ابن أبي الدنيا من مرسل الحسن وزاد « وهو قائم على حوضه بيده عصا يدعو من عرف من أمته ألا وأنهم يتباهون أيهم أكثر تبعا وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تبعا » . وروى الطبراني من حديث أبي سعيد « وكل نبي يدعو أمته ولكل نبي حوض ، فمنهم من يأتيه الفئام ، ومنهم من يأتيه العصبة ، ومنهم من يأتيه الواحد ، ومنهم من يأتيه الاثنان ، ومنهم من لا يأتيه أحد ، وإني لأكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة » . فإن ثبت ما في هذه الأخبار ، فالمختص بنبينا صلّى اللّه عليه وسلم الكوثر الذي يصب من مائه في حوضه ، فإنه لم ينقل نظيره لغيره ، ووقع الامتنان عليه به في سورة الكوثر كذا في الفتح ، وأما ما ذكر من صفاته : أن من شرب منه لم يظمأ أبدا . فقد ثبت ذلك في أخبار الحوض ، ومنه ما يأتي ذكره للمصنف ، ومن حديث أنس عند البزار « ومن شرب منه شربة لم يظمأ أبدا ومن لم يشرب منه لم يرو أبدا » وزاد في حديث أبي أمامة عند أحمد وابن حبان « ولم يسود وجهه أبدا » وفي حديث عبد اللّه بن عمرو « من شرب منه لا يظمأ أبدا » .

فصل في تعيين محله :

قال القرطبي في التذكرة : ذهب صاحب القوت وغيره إلى أن الحوض يكون بعد الصراط ، وذهب آخرون إلى العكس ، والصحيح أن للنبي صلّى اللّه عليه وسلم حوضين : أحدهما في الموقف قبل الصراط ، والآخر داخل الجنة ، وكل منهما يسمى كوثرا . وتعقبه الحافظ في الفتح بأن الكوثر نهر داخل الجنة وماؤه يصب في الحوض ، ويطلق على الحوض كوثرا لكونه يمدّ منه ، فغاية ما يؤخذ من كلام القرطبي أن الحوض يكون قبل الصراط لأن الناس يردون الموقف وهو عطاش فيرد المؤمنون وتتساقط الكفار في النار بعد أن يقولوا : ربنا عطشنا فترفع لهم جهنم كأنها سراب ، فيقال : ألا ترون فيظنونها ماء فيتساقطون فيها . وفي حديث أبي ذر مما رواه مسلم « إن الحوض يشخب فيه ميزابان من الجنة » وهو حجة على القرطبي لا له ، لأن الصراط جسر جهنم وهو بين الموقف والجنة ، والمؤمنون يمرون عليه لدخول الجنة ، فلو كان الحوض دونه لحالت النار بين الماء الذي يصب من الكوثر في الحوض . وظاهر الحديث : أن الحوض بجانب الجنة لينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها . وقال عياض : ظاهر قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من شرب منه لم يظمأ بعدها أبدا » يدل على أن الشرب منه يقع بعد الحساب والنجاة من النار ، لأن ظاهر حال من لم يظمأ أن لا يعذب بالنار ، ولكن
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 518 | مرتضى الزبيدي