تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
[ الآية : 2 ] وإذا كان هذا حاله فكيف حال غيره ؟ فإنه قلت : لا يخفى أن ما يطرأ على القلب من الهموم والخواطر نقص ، وأن الكمال في الخلوّ عنه ، وأن القصور عن معرفة كنه جلال اللّه نقص ، وإنه كلما ازدادت المعرفة زاد الكمال ، وأنّ الانتقال إلى الكمال من أسباب النقصان رجوع ، والرجوع توبة ، ولكن هذه فضائل لا فرائض ، وقد أطلقت القول بوجوب التوبة في كل حال ، والتوبة عن هذه الأمور ليست بواجبة ، إذ إدراك الكمال غير واجب في الشرع : فما المراد بقولك : التوبة واجبة في كل حال ؟ فاعلم أنه قد سبق أن الإنسان لا يخلو في مبدأ خلقته من اتباع الشهوات أصلا ، وليس معنى التوبة تركها فقط ، بل تمام التوبة بتدارك ما مضى ، وكل
شرح
قلت : حديث الأغر المزني رواه كذلك أحمد ، وعبد بن حميد ، والنسائي ، وابن حبان ، والبغوي ، وابن قانع ، والبارودي ، والطبراني وتقدم قريبا حديث الأغر عند مسلم « يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فو اللّه إني لأتوب إلى اللّه في اليوم مائة مرة » . وعند الحكيم « فإني أستغفر اللّه وأتوب إليه في اليوم أو في كل يوم مائة مرة أو أكثر من مائة مرة » . وقد تقدم الكلام على الأغر في الأذكار والدعوات ، ثم قول المصنف : الحديث يدل على أن للحديث بقية لم يذكرها ، وهذا لأن الموجود في نسخ الكتاب : « إنه ليغان على قلبي في اليوم والليلة سبعين مرة » . ثم قال : « الحديث أي إلى آخره وآخره : « فاستغفر اللّه منه » وإلا فالحديث هو هذا بتمامه . ( ولذلك أكرمه اللّه تعالى بأن قال ) في كتابه العزيز في خطابه إليه :( لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ )وقد اختلفوا في معنى ذلك على أقوال : أحسنها أن يقال جميع ما فرط منك مما يصح أن يعاتب عليه ، ( وإذا كان هذا ) مع علو مقامه ( حاله فكيف حال غيره ) ؟ ( فإن قلت : لا يخفي أن ما يطرأ على القلب من الهموم والخواطر نقص ) في الجملة ( وأن الكمال في الخلو عنها ) وفي نسخة عنه ، ( وأن القصور عن معرفة كنه جلال اللّه ) وعظمته ( نقص وأن كلما ازدادت المعرفة زاد الكمال ، وأن الإنتقال إلى الكمال من أسباب النقص رجوع والرجوع توبة ) كما تقرر ، ( ولكن هذه فضائل ) زائدة لا ( فرائض ، وقد أطلقت القول بوجوب التوبة في كل حال والتوبة من هذه الأمور ليست واجبة إذ إدراك الكمال غير واجب في الشرع ، فما المراد بقولك التوبة واجبة في كل حال ؟ فاعلم أنه قد سبق أن الإنسان لا يخلو في مبدأ خلقته من اتباع الشهوات أصلا ) لكونها معجونة في طينته ولا يزايلها إلا بمسدد العقل ومعونته ، والعقل إنما يكمل بعد ( وليس معنى التوبة تركها فقط لأن تمام