لا بل يحييه بعد طول البلى ليقاسي شديد البلاء ، فيخرج من قبره بعد جمع أجزائه المتفرقة ، ويخرج إلى أهوال القيامة فينظر إلى قيامة قائمة وسماء مشققة ممزقة وأرض مبدلة وجبال مسيرة ونجوم منكدرة وشمس منكسفة وأحوال مظلمة وملائكة غلاظ شداد وجهنم تزفر وجنة ينظر إليه المجرم فيتحسر ، ويرى صحائف منشورة فيقال له :
اقْرَأْ كِتابَكَ
[ الاسراء : 14 ] فيقول : وما هو ؟ فيقال : كان قد وكل بك في حياتك التي كنت تفرح بها وتتكبر بنعيمها وتفتخر بأسبابها ملكان رقيبان يكتبان عليك ما كنت تنطق به أو تعمله من قليل وكثير ونقير وقطمير وأكل وشرب وقيام وقعود ، قد نسيت ذلك وأحصاه اللّه عليك فهلم إلى الحساب واستعدّ للجواب أو تساق إلى دار العذاب ، فينقطع قلبه فزعا من هول هذا الخطاب قبل أن تنتشر الصحيفة ويشاهد ما فيها من مخازيه ؟ فإذا شاهده قال :
يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
[ الكهف : 49 ] فهذا آخر أمره وهو معنى قوله تعالى :
ثُمَّ إِذا شاءَ
شرح
( لا بل يحييه بعد طول البلى ) بكسر الباء ( ليقاسي شدائد البلاء ) بفتح الباء ( فيخرج من قبره بعد جمع أجزائه المتفرقة ويخرج إلى أهوال ) يوم ( القيامة ) التي لم تكن منه على بال ، ( فينظر إلى قيامة قائمة وسماء ممزقة مشققة ) مطوية . قال تعالى :إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ[ الانشقاق : 1 ] وقال تعالى :وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ[ الزمر : 67 ] ( وأرض مبدلة ) قال تعالى :يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ[ إبراهيم : 48 ] ( وجبال مسيرة ) : قال تعالى :وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ[ الشمس : 3 ] ( ونجوم منكدرة ) قال تعالى :وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ[ الشمس : 2 ] ( وشمس منكسفة ) مكوّرة ( وأحوال مظلمة وملائكة غلاظ شداد ) أي أقوياء . قال تعالى :عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ[ التحريم : 6 ] ( وجحيم تزفر ) قال اللّه تعالى :وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ[ الشمس : 12 ] ( وجنة ينظر إليها المجرم فيتحسر ) على دخولها ( ويرى صحائف منشورة ) قال تعالى :وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ[ الشمس : 10 ] ( فيقال له :اقْرَأْ كِتابَكَ ) كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً( فيقول : وما هو ؟ فيقال ) له : ( كان قد وكل بك في حياتك التي كنت ) تفرح بها في الدنيا ( وتتكبر بنعيمها وتفتخر بأسبابها ) واعراضها ( ملكان رقيبان ) عتيدان ( يكتبان عليك ما كنت تنطق به وتعمله من قليل وكثير وصغير وكبير ونقير وقطمير ) . وأصل النقير النكتة التي على ظهر النواة ، والقطمير قشرتها والمراد بهما القلة ، ( وأكل وشرب وقيام وقعود قد نسيت ذلك وأحصاه اللّه ) وضبطه ( عليك ، فهلم إلى الحساب واستعد للجواب ، أو تساق إلى دار العذاب فينقطع قلبه فزعا من هول هذا الخطاب قبل أن تنشر الصحيفة ويشاهد ما فيها من مخازيه ) وفضائحه ، ( فإذا شاهده قال ) مبادرا :( يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها )ووجد ما عمله حاضرا ولا ينسي ربك أحدا . ( فهذا آخر أمره وهو معنى قوله