تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
وأما آخره ومورده فهو الموت المشار إليه بقوله تعالى :
ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ
[ عبس : 21 ، 22 ] ومعناه أنه يسلب روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحسه وإدراكه وحركته ، فيعود جمادا كما كان أول مرة ، لا يبقى إلا شكل أعضائه وصورته لا حس فيه ولا حركة ، ثم يوضع في التراب فيصير جيفة منتنة قذرة كما كان في الأوّل نطفة مذرة ، ثم تبلى أعضاؤه وتتفتت أجزاؤه وتنخر عظامه ويصير رميما رفاتا ، ويأكل الدود أجزاءه فيبتدىء بحدقتيه فيقلعهما وبخدّيه فيقطعهما ، وبسائر أجزائه فيصير روثا في أجواف الديدان ويكون جيفة يهرب منه الحيوان ويستقذره كل إنسان ويهرب منه لشدة الإنتان ، وأحسن أحواله أن يعود إلى ما كان فيصير ترابا يعمل منه الكيزان ويعمر منه البنيان ، فيصير مفقودا بعد ما كان موجودا . وصار كأن لم يغن بالأمس حصيدا كما كان في أول أمره أمدا مديدا ، وليته بقي كذلك فما أحسنه لو ترك ترابا ،
شرح
( وأما آخره ومورده ) الذي يرد عليه ( فهو الموت المشار إليه بقوله تعالى :ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُومعناه أنه يسلب روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحسه وإدراكه وحركته فيعود جمادا كما كان أول مرة لا يبقى ) معه ( إلا شكل أعضائه وصورته ) الظاهرة ( لا حس فيه ولا حركة ) ثم يدرج في ثياب ، ( ثم يوضع في التراب ) ويغلق عليه الباب ( فيصير جيفة منتنة قذرة كما كان في الأول نطفة مذرة ، ثم ) بعد ذلك ( تبلى أعضاؤه وتتفتت أجزاؤه وتنخر عظامه فيصير رميما ورفاتا ) وقد رم العظم يرم من باب ضرب بلى فهو رميم ، والجمع أرماء كدليل وأدلاء وجاء رمام مثل كريم وكرام والرفات بالضم العظم المتكسر ، ( ويأكل الدود ) المتولد منه ( أجزاءه فيبتدىء بحدقتيه ) فإنهما أول ما يسيلان على الخدين ( فيقلعهما ) من موضعهما ( وبخديه فيقطهما وبسائر أجزائه فيصير روثا في أجواف الديدان ) ومن هنا مخاطبة القبر للإنسان : « أنا بيت الدود » كما في الخبر ، ( ويكون جيفة يهرب منه الحيوان ويستقذره كل إنسان ويهرب منه لشدة الأنتان ) إذ لا نتن أشد من نتن جيفة الإنسان ، ( وأحسن أحواله أن يعود إلى ما كان فيصير ترابا تعمل منه الكيزان ويعمر به البنيان ، ويصير مفقودا بعد ما كان موجودا ، وصار كأن لم يغن بالأمس حصيدا ) محصودا متكسرا ( كما كان في أول مرة أمدا مديدا ) أي ممتدا ، ( وليته بقي كذلك فما أحسنه لو ترك ترابا ) ومن هنا قول بعضهم :ليتني كنت رمادا مديداوقال آخر :ولو أنا إذا متنا تركنا * لكان الموت راحة كل حيّ
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 333 | مرتضى الزبيدي