تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
ومعناه أنه أحياه بعد أن كان جمادا ميتا ترابا أولا ونطفة ثانيا ، وأسمعه بعد ما كان أصم ، وبصره بعد ما كان فاقدا للبصر ، وقوّاه بعد الضعف ، وعلمه بعد الجهل ، وخلق له الأعضاء بما فيها من العجائب والآيات بعد الفقد لها ، وأغناه بعد الفقر ، وأشبعه بعد الجوع ، وكساه بعد العري ، وهداه بعد الضلال . فانظر كيف دبره وصوره ، وإلى السبيل كيف يسره ، وإلى طغيان الإنسان ما أكفره ، وإلى جهل الإنسان كيف أظهره ؟ فقال :
أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
[ يس : 77 ]
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ
[ الروم : 20 ] فانظر إلى نعمة اللّه عليه كيف نقله من تلك الذلة والقلة والخسة والقذارة إلى هذه الرفعة والكرامة فصار موجودا بعد العدم ، وحيا بعد الموت ، وناطقا بعد البكم ، وبصيرا بعد العمى ، وقويا بعد الضعف ، وعالما بعد
شرح
واستماع الآيات فهو كالمسبب من الابتلاء ، ولذلك عطف بالفاء على الفعل المقيد به ورتب عليه قوله :( إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ )أي بنصب الدلائل وانزال الآيات( إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراًومعناه أنه أحياه بعد أن كان جمادا ميتا ترابا أولا ونطفة ثانيا ، وأسمعه بعد ما كان أصم ، وبصره بعد ما كان فاقدا للبصر ، وقواه بعد الضعف ، وعلمه بعد الجهل ، وخلق له الأعضاء بما فيها من العجائب والآيات ) الدالة على عظيم قدرته ( بعد الفقد لها ، وأغناه بعد الفقر ، وأشبعه بعد الجوع ، وكساه بعد العري ، وهداه بعد الضلال ) ثم قال تعالى :إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراًوهما حالان من ضمير هديناه . « وإما » للتفصيل أو للتقسيم أي هديناه في حالتيه جميعا أو مقسوما إليهما بعضهم شاكر بالإهتداء والأخذ به ، وبعضهم كفور بالإعراض عنه . ( فانظر كيف دبره وصوره ، وإلى السبيل ) المفضي للخير والشر ( كيف يسره ) أي سهله وذلله ، ( وإلى طغيان الإنسان ) على ربه وخلقه ( ما أكفره ، وإلى جهل الإنسان ) بمعرفته نفسه ( كيف أظهره فقال ) تعالى :( أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ )أي فإذا هو بعد ما كان ماء مهينا من طينه قادر على الخصام معرب عما في نفسه ، وقال تعالى :( وَمِنْ آياتِهِ )الدالة على باهر قدرته( أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ )فوق الأرض وفي الآية الأولى تقبيح بليغ لإنكار الإنسان حيث عجب منه وجعله إفراطا في الخصومة بينا ، ومنافاة الجحود لقدرته على ما هو أهون مما عليه في بداية خلقه ومقابلة نعمته التي لا مزيد عليها وهي خلقه من أخس شيء وأمهنه شريفا مكرما بالعقوق والتكذيب ، وقد أشار إليه المصنف بقوله : ( فانظر إلى نعمة اللّه عليه كيف نقله من تلك الذلة والقلة والخسة والقذارة إلى هذه الرفعة والكرامة ) والشرف ، ( فصار موجودا بعد العدم ، وحيا بعد الموت ، وناطقا بعد البكم ، وبصيرا بعد العمي ، وقويا بعد الضعف ، وعالما بعد