تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
تراب ، ثم من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة ، ثم جعله عظما ، ثم كسا العظم لحما ، فقد كان هذا بداية وجوده حيث كان شيئا مذكورا فما صار شيئا مذكورا إلا وهو على أخس الأوصاف والنعوت إذ لم يخلق في ابتدائه كاملا بل خلقه جمادا ميتا لا يسمع ولا يبصر ولا يحس ولا يتحرك ولا ينطق ولا يبطش ولا يدرك ولا يعلم ، فبدأ بموته قبل حيائه ، وبضعفه قبل قوّته ، وبجهله قبل علمه ، وبعماه قبل بصره ، وبصممه قبل سمعه ، وببكمه قبل نطقه ، وبضلالته قبل هداه ، وبفقره قبل غناه ، وبعجزه قبل قدرته . فهذا معنى قوله :
مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
ومعنى قوله :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ
[ الإنسان : 1 ، 2 ] كذلك خلقه أولا ثم امتن عليه فقال :
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ
[ عبس : 20 ] وهذا إشارة إلى ما تيسر له في مدة حياته إلى الموت . وكذلك قال :
مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ
شرح
مضغة ، ثم جعله عظما ثم كسا العظم لحما ) كما قال تعالى :فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً[ المؤمنون : 14 ] ( فقد كان هذا بداية وجوده حيث صار شيئا مذكورا ) بعد أن لم يكن ، ( فما صار شيئا مذكورا إلا وهو على أخس الأوصاف والنعوت إذ لم يخلق في ابتدائه كاملا بل خلقه جمادا ميتا لا يسمع ولا يبصر ولا يحس ولا يتحرك ولا ينطق ولا يبطش ولا يدرك ولا يعلم فبدأ بموته ) الذي هو العدم ( قبل حياته ) وهي الوجود ، ( وبضعفه قبل قوته ، وبجهله قبل علمه وبعماه قبل بصره ، وبصممه قبل سمعه ، وببكمه قبل نطقه ، وبضلالته قبل هداه ، وبفقره قبل غناه ، وبعجزه قبل قدرته . وهذا ) هو ( معنى قوله ) تعالى :( مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُو ) كذلك ( معنى قوله تعالى :( هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ )وهو استفهام تقرير وتقريب ولذلك فسر بقد( حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ )أي طائفة محدودة من الزمان الممتد الغير المحدود ( لم يكن شيئا مذكورا ) بل كان شيئا منسيا غير مذكور بالإنسانية كالعنصر والنطفة ، والجملة حال من الإنسان أو وصف لحين بحذف الراجع ، والمراد بالإنسان الجنس لقوله :( إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ )أو آدم بين أولا خلقه ثم ذكر خلق بنيه فقال :( مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِكذلك خلقه أولا ثم امتن عليه فقال :ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ )أي سبيل الخير والشر . ( وهذا إشارة إلى ما تيسر له في مدة حياته إلى الموت ، وكذلك قال في الآية الأخرىمِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ )أي إخلاط جمع مشيج من مشجت الشيء إذا خلطته . وصف النطفة بها لأن المراد بها مجموع مني الرجل والمرأة وكل منهما مختلفة الأجزاء في الرقة والقوام والخواص ، ولذلك يصير كل جزء منهما مادة عضو ، وقيل مفرد كأعشار وأكباش ، وقيل : ألوان فإن ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر ، فإذا اختلطا اخضرا أو أطوار ، فإن النطفة تصير علقة ثم مضغة إلى تمام الخلقة ( نبتليه ) في موضع الحال أي مبتلين له بمعنى مريدين اختباره أو ناقلين له من حال إلى حال ، فاستعار له الابتلاء ( فجعلناه سميعا بصيرا ) ليتمكن من مشاهدة الدلائل
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 329 | مرتضى الزبيدي