ينطلق عند الغني بما لا ينطلق به عند الفقير ، وكذلك يحضر من الخشوع عنده ما لا يحضره عند الفقير . ومكائد النفس وخفاياها في هذا الفن لا تنحصر ولا ينجيك منها إلا أن تخرج ما سوى اللّه من قلبك ، وتتجرد بالشفقة على نفسك بقية عمرك ولا ترضى لها بالنار بسبب شهوات منغصة في أيام متقاربة ، وتكون في الدنيا كملك من ملوك الدنيا قد أمكنته الشهوات وساعدته اللذات ، ولكن في بدنه سقم وهو يخاف الهلاك على نفسه في كل ساعة لو اتسع في الشهوات ، وعلم أنه لو احتمى وجاهد شهوته عاش ودام ملكه ، فلما عرف ذلك جالس الأطباء وحارف الصيادلة وعوّد نفسه شرب الأدوية المرة وصبر على بشاعتها وهجر جميع اللذات وصبر على مفارقتها ، فبدنه كل يوم يزداد نحولا لقلة أكله ولكن سقمه يزداد كل يوم نقصانا لشدة احتمائه ، فمهما نازعته نفسه إلى شهوة تفكر في توالي الأوجاع والآلام عليه وأدى ذلك إلى الموت المفرق بينه وبين مملكته الموجب لشماتة الأعداء به ، ومهما إشتدّ عليه شرب دواء تفكر فيما يستفيده منه من الشفاء الذي هو سبب التمتع بملكه ونعيمه في عيش هنيء وبدن صحيح وقلب رخي وأمر نافذ ،
شرح
يجعله حديدا منطلقا في الفصاحة ( وقد صدقت ) الجارية ! ( فإن اللسان ينطلق عند الغني بما لا ينطلق ) وفي نسخة أكثر مما ينطلق ( عند الفقير ) وما ذلك إلا لطمع أو رياء ومن قولهم : اللها تفتح اللها . ( وكذلك يحضر من الخشوع عنده ما لا يحضر عند الفقير ) لأنه لا يكترث بالفقير في مجلسه ، فكيف يؤاتيه الخشوع ( ومكائد النفس وخفاياها في هذا الفن لا تنحصر ، ولا ينجيك منها إلا بأن تخرج ما سوى اللّه من قلبك ) فلا يكون له تعلق بسواه أبدا ، ( وتتجرد للشفقة على نفسك بقية عمرك ولا ترضى لها بالنار بسبب ) ارتكاب ( شهوات منغصة ) أي مكدرة ( في أيام متقاربة منقضية ) سريعة الذهاب . وفي الخبر : « حفت الجنة بالمكار وحفّت النار بالشهوات » . ( وتكون في الدنيا كملك من ملوك الدنيا قد أمكنته الشهوات وساعدته اللذات ولكن في بدنه سقم ) أي مرض ، ( وهو يخاف الهلاك على نفسه في كل ساعة لو اتسع في الشهوات ) أي في تناولها ، ( وعلم أنه لو احتمى ) عنها ( وجاهد ) فيه ( شهوته عاش ودام ملكه ، فلما عرف ذلك ) من نفسه ( جالس الأطباء وحارف ) أي نادم ( الصيادلة ) وهم الذين يبيعون العقاقير ( وعوّد نفسه شرب الأدوية المرة ) الكريهة الطعم ، ( فصبر على بشاعتها ) وكراهتها ( وهجر جميع اللذات وصبر على مفارقتها ، فبدنه كل يوم يزداد نحولا ) أي تغيرا أو نقصا ( لقلة أكله ولكن سقمه كل يوم يزداد نقصانا لشدة إحتمائه ، فمهما نازعته إلى شهوة تفكر في توالي الآلام والأوجاع عليه وأدى ذلك إلى الموت المفرق بينه وبين مملكته الموجب لشماتة الأعداء ) أي فرحهم فيه ( ومهما اشتد عليه شرب دواء ) كريه الطعم ( تفكر فيما يستفيده منه من الشفاء الذي هو سبب التمتع بملكه ونعيمه في عيش هنّى