فيخف عليه مهاجرة اللذات ومصابرة المكروهات . فكذلك المؤمن المريد لملك الآخرة احتمى عن كل مهلك له في آخرته وهي لذات الدنيا وزهرتها فاجتزى منها بالقليل ، واختار النحول والذبول والوحشة والحزن والخوف ، وترك المؤانسة بالخلق خوفا من أن يحل عليه غضب من اللّه فيهلك ، ورجاء أن ينجو من عذابه ، فخف ذلك كله عليه عند شدة يقينه وإيمانه بعاقبة أمره وبما أعدّ له من النعيم المقيم في رضوان اللّه أبد الآباد . ثم علم أن اللّه كريم رحيم لم يزل لعباده المريدين لمرضاته عونا وبهم رؤوفا وعليهم عطوفا ولو شاء لأغناهم عن التعب والنصب ، ولكن أراد أن يبلوهم ويعرف صدق إرادتهم حكمة منه وعدلا ، ثم إذا تحمل التعب في بدايته أقبل اللّه عليه بالمعونة والتيسير وحط عنه الأعباء وسهل عليه الصبر ، وحبب إليه الطاعة ورزقه فيها من لذة المناجاة ما يلهيه عن سائر اللذات ويقوّيه على إماتة الشهوات ويتولى سياسته وتقويته وأمده بمعونته ، فإن الكريم لا يضيع سعي الراجي ولا يخيب أمل المحب وهو الذي يقول : « من تقرب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا » ، ويقول تعالى : « لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي وإني إلى
شرح
وبدن صحيح وقلب رضي ) أي منشرح ( وأمر نافذ ، فيخف عليه مهاجرة اللذات ) والشهوات ( ومصابرة المكروهات ، وكذلك المؤمن المريد لملك الآخرة احتمى من كل مهلك له في آخرته وهي لذات الدنيا وزهراتها فاجتزى ) أي اكتفى ( منها بالقليل ) قدر البلاغ ( واختار النحول والذبول والوحشة والحزن والخوف وترك المؤانسة بالخلق خوفا من أن يحل عليه غضب اللّه فيهلك ) هلاك الأبد ، ( ورجاء أن ينجو من عذابه فخف ذلك كله عند شدة يقينه وإيمانه بعاقبة أمره ) بما سيصير إليه ، ( وبما أعد له من النعيم في رضوان اللّه ) غير منقطع ( أبد الآباد ) ودهر الدهور . ( ثم علم أن اللّه كريم رحيم لم يزل لعباده المريدين لمرضاته عونا ) ومعينا ( وبهم رؤوفا وعليهم عطوفا ، ولو شاء لأغناهم عن التعب والنصب ) وساق لهم لذات الدنيا بأسرها ( ولكن ) حماهم عنها و ( أراد أن يبلوهم ) ويخبرهم ( ويعرف صدق إرادتهم حكمة منه وعدلا ) وإليه يشير قوله تعالى :إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا[ الكهف : 7 ] ( ثم إذا تحمل ) المريد ( التعب في بدايته ) من جهة مجاهدة النفس وقطعها من مألوفاتها ( أقبل اللّه عليه بالمعونة ) الباطنية ( والتيسير ) لأسباب الخير ( وحط عنه الأعباء ) أي الأثقال ، ( وسهل عليه الصبر ) وحبب إليه الطاعة ورزقه فيها من لذة المناجاة ما يلهيه عن سائر اللذات بل لا توازيها لذة ، ( ويقويه على إماتة الشهوات وتولي سياسته وتقويته وأمده بمعونته ) وقربه إليه ، ( فإن الكريم ) من شأنه أنه ( لا يضيع سعي الراجي ولا يخيب أمل المحب ، وهو الذي يقول ) فيما أخبرنا عنه نبينا صلّى اللّه عليه وسلم : ( « من تقرب إليّ ) أي طلب قربه مني بالطاعة ( شبرا ) أي مقدارا قليلا ( تقربت منه