ولأجل بركة الفقر وشؤم الغنى آثر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الفقر لنفسه ولأهل بيته حتى روي عن عمران بن حصين رضي اللّه عنه أنه قال : كانت لي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم منزلة
شرح
بماله ، فحمله البخل وإيثار الكثرة والجمع على منع الصدقة وظلم أهلها ، وترك إخراج حق اللّه تعالى منها ، فعجز عن الفرض بعد أن كان ادعى القوة والنهوض بالفضل ، وما كان ينقص من المال لو أخرج من كل مائة شاة شاة وهو عشر العشر إذا كثرت غنمه ، وأن يخرج من خمسين ناقة حقة من الإبل ، ومن أربعين بنت لبون وذلك خمس العشر إذا كثرت إبله ، وربع العشر ، وكان فيه رضا ربه وطهرة نفسه وزكاة ماله ولا يتبين نقصه من مزيد ماله ، ولكن حضر شح نفسه وغاب يقين آخرته فأطاع الحاضر لفقد الغائب ، وكان أمله قلة العناية وعدم الوقاية ، فلم يوجد الفلاح وفقد الصلاح ، ووجد البخل وظهر الخلف وبان الكذب وعزب الصدق ينتظم ما ذكرنا قوله تعالىوَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ[ النساء : 128 ] وقولهوَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَوقولهلَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَمع قولهبَخِلُوا بِهِإلى قولهبِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَفاعقبه ذلك النفاق إلى يوم التلاق ، وجعل بابه حب الدنيا ومفتاح الطلب لها والحرص عليها ، فحقت عليه الثلاث المهلكات ، فاعتبروا يا أولي الألباب . إلى هنا كلام صاحب القوت .
ولنرجع إلى تخريج هذه القصة . قال العراقي : الحديث بطوله رواه الطبراني بسند ضعيف انتهى .
قلت : رواه أيضا البغوي والبارودي ، وابن شاهين ، وابن السكن ، وابن قانع كلهم في الصحابة ، والديلمي وغيرهم كلهم في ترجمة ثعلبة بن حاطب بن عمرو الأوسي البدري من طريق معاذ بن رفاعة عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة أن ثعلبة بن حاطب وساقوا القصة نحو سياق المصنف .
قال الحافظ في الإصابة : وفي كون صاحب القصة إن صح الخبر ولا أظنه يصح هو البدري المذكور نظر ، وقد تأكدت المغايرة بينهما بقول ابن الكلبي أن البدري استشهد بأحد ، ويقوّي ذلك أيضا أن ابن مردويه روى في تفسيره من طريق عطية عن ابن عباس في الآية المذكورة قال :
وذلك أن رجلا يقال له ثعلبة بن أبي حاطب من الأنصار أتى مجلسا فأشهدهم فقال : لئن آتاني اللّه من فضلة الآية ، فذكر القصة بطولها فقال : إنه ثعلبة بن أبي حاطب ، والبدري اتفقوا على أنه ثعلبة بن حاطب ، وقد ثبت أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال « لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية » وحكى عن ربه أنه قال لأهل بدر : اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم ، فمن يكون بهذه المثابة كيف يعقبه اللّه نفاقا في قلبه ، وينزل به ما نزل ، فالظاهر أنه غيره واللّه أعلم .
( ولأجل بركة الفقر وشؤم الغنى آثر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الفقر لنفسه ولأهل بيته ) فقد كان من دعائه « أعوذ بك من فتنة الفقر والغنى وأعوذ بك من غنى يطغى وفقر ينسى » ( حتى روي عن عمران بن الحصين ) رضي اللّه عنه ( أنه قال : كانت لي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم منزلة