تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
الغيوب ، فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل التأويل ، فعند ذلك لا يمكنك إلا أن تعتقد ما علمته وشاهدته وما لم تشاهده بعينك ولم تسمعه بأذنك . ثم وقع في قلبك فإنما الشيطان يلقيه إليك فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق وقد قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ
[ الحجرات : 6 ] فلا يجوز تصديق إبليس إن كان ثم مخيلة تدل على فساد واحتمل خلافه لم يجز أن تصدق به لأن الفاسق يتصوّر أن يصدق في خبره ، ولكن لا يجوز لك أن تصدق به حتى أن من استنكه فوجد منه رائحة الخمر لا يجوز أن يحد إذ يقال يمكن أن يكون قد تمضمض بالخمر ومجها وما شربها أو حمل عليه قهرا ، فكل ذلك لا محالة دلالة محتملة فلا يجوز تصديقها بالقلب وإساءة الظن بالمسلم بها . وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه حرم من المسلم دمه وماله وأن يظن به ظن السوء » فلا يستباح ظن السوء إلا بما
شرح
إلا إذا انكشف لك بعيان ) أي مشاهدة ( لا يقبل التأويل ، فعند ذلك لا يمكنك إلا أن تعتقد ما علمته وشاهدته ) بعيانك ، ( وما لم تشاهده بعينك ولم تسمعه باذنك ثم وقع في قلبك ، فإنما الشيطان يلقيه إليك ، فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق وقد قال تعالى :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) أي فتعرفوا وتفصحوا وتنكير الفاسق والنبأ للتعميم . وفي تعليق الأمر بالتبيين على فسق المخبر يقتضي جواز قبول خبر العدل من حيث أن المعلق على شيء بكلمة إن عدم عند عدمه ، وأن خبر الواحد العدل يوجب تبيينه من حيث هو كذلكأَنْ تُصِيبُواكراهة أصابتكمقَوْماً بِجَهالَةٍجاهلين بحالهم وتمام الآيةفَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَأي مغتمين غما لازما متمنين أنه لم يقع ، ( فلا يجوز تصديق إبليس ) فيما يوقعه في القلب ، ( وإن كان ثم مخيلة تدل على فساد ، واحتمل خلافه لم يجز أن يصدقه لأن الفاسق يتصور أن يصدق في خبره ، ولكن لا يجوز لك أن تصدقه حتى أن من استنكه ) أي شم فمه ( فوجد منه رائحة الخمر لا يجوز أن يحد ) حد الشارب للخمر ( إذ يقال يمكن أن يكون قد تمضمض بها ومجها ) أي ألقاها ( وما شربها أو حمل عليه ) أي على شربها ( قهرا ) أي أكره إلى ذلك ، ( فكل ذلك لا محالة دلالة محتملة فلا يجوز تصديقها بالقلب وإساءة الظن بالمسلم بها ) وقد قال الشاعر :يقولون لي انكه قد شربت مدامة * فقلت لهم لا بل أكلت السفرجلاوقد اعتبر أصحابنا وجود الرائحة في إيجاب الحد بشروط على ما هو مذكور له الفروع ، وهو مذهب عمر وابن مسعود ، ( وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه حرم من المسلم دمه وماله وإن يظن به ظن السوء » ) قال العراقي : رواه البيهقي في الشعب من حديث ابن عباس بسند ضعيف ، ولابن ماجة نحوه بسند ضعيف أيضا ، ( فلا يستباح إلا بما يستباح به المال وهو نفس مشاهدته أو بينة
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 324 | مرتضى الزبيدي