تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
السلام : لم تجوع وفي يديك خزائن الأرض ؟ فقال : أخاف أن أشبع فانسى الجائع . فذكر الجائعين والمحتاجين إحدى فوائد الجوع فإن ذلك يدعو إلى الرحمة والإطعام والشفقة على خلق اللّه عز وجل ، والشبعان في غفلة عن ألم الجائع . الفائدة الخامسة : وهي من أكبر الفوائد كسر شهوات المعاصي كلها والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء فإن منشأ المعاصي كلها الشهوات والقوى ، ومادة القوى والشهوات لا محالة الأطعمة فتقليلها يضعف كل شهوة وقوّة ، وإنما السعادة كلها في أن يملك الرجل نفسه والشقاوة في أن تملكه نفسه ، وكما أنك لا تملك الدابة الجموح إلا بضعف الجوع ، فإذا شبعت قويت وشردت وجمحت ، فكذلك النفس كما قيل لبعضهم : ما بالك مع كبرك لا تتعهد بدنك وقد انهدّ ؟ فقال : لأنه سريع المرح فاحش الأشر
شرح
أهل البلاء إليه ووصف نفسه به وجعلهم الأمثل فالأمثل منه ، فمن كان به صلّى اللّه عليه وسلم أمثل كان هو الأفضل ، ( ولذلك لما قيل ليوسف عليه السلام : لم تجوع وفي يديك ) أي في قبضتك وملكك ( خزائن الأرض ) من الذخائر وغيرها ، ( فقال : أخاف أن أشبع فانسى الجائع ) نقله صاحب القوت ، ( فذكر الجائعين والمحتاجين إحدى فوائد الجوع ، فإن ذلك يدعو إلى الرحمة ) والبر ( والإطعام والشفقة على خلق اللّه عز وجل ) تعظيما لأمره تعالى ، ( والشبعان في غفلة من ألم الجائع ) لا يدري عنه ولا يذكره على لسانه ولا يخطر حاله في قلبه . ( الفائدة الخامسة : وهي من أكبر الفوائد ) وأجمعها ( كسر شهوات ) باعثة على ( المعاصي كلها ) جليلها وحقيرها ( والاستيلاء ) أي الغلبة ( على النفس الأمارة بالسوء ) بقمع حدتها ( فإن منشأ المعاصي كلها الشهوات والقوى ومادة القوى والشهوات لا محالة الأطعمة ) الواصلة آثارها إليها ( فتقليلها يضعف كل شهوة وقوّة ) ويبطل عملها ، ( وإنما السعادة كلها في أن يملك الرجل نفسه ) فيصرفها في الخير كيف يشاء ، كما أن الشقاوة كلها في أن تملكه نفسه فتحمله في المعاصي حيث شاءت ، ( وكما انك لا تملك الدابة الجموح ) الصعبة المراس ( إلا بضعف الجوع ) أي إذا أضعفتها بقلة العلف : ( فإذا شبعت قويت وشردت ) عنك ( وجمحت ) عليك ، ( فكذلك النفس ) هي بمنزلة مطيتك إن أشبعتها قويت عليك وان أضعفتها بالجوع لأنت وانقادت ، وللّه در البوصيري حيث قال :والنفس كالطفل إن تهمله شب على * حب الرضاع وان تفطمه ينفطموقال غيره :فإنك مهما تعط فرجك سؤله * وبطنك نالا منتهى الذم أجمعا( كما قيل لبعضهم : ما بالك مع كبرك ) أي طعنك في السن ( لا تتعاهد بدنك ) بأن تراعيه من جهة المأكل والمشرب والاستحمام ؟ ( فقال ) : لا أتعاهده ( لأنه سريع المرح ) أي
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 28 | مرتضى الزبيدي