الإسلام فهذا حدّه .
وأما سببه الباعث عليه فالحرص على معرفة ما لا حاجة به إليه أو المباسطة بالكلام على سبيل التودد أو تزجية الأوقات بحكايات أحوال لا فائدة فيها .
وعلاج ذلك كله أن يعلم أن الموت بين يديه وإنه مسؤول عن كل كلمة وإن أنفاسه رأس ماله ، وأن أنفاسه شبكة يقدر على أن يقتنص بها الحور العين فاهماله ذلك وتضييعه خسران مبين هذا علاجه من حيث العلم . وأما من حيث العمل فالعزلة أو أن يضع حصاة في فيه وإن يلزم نفسه السكوت بها عن بعض ما يعنيه حتى يعتاد اللسان ترك ما لا يعنيه وضبط اللسان في هذا على غير المعتزل شديدا جدا .
شرح
مما لا يعني وتركه من حسن الإسلام فهذا حدّه ) ، وإذا حسن الاسلام اقتضى ترك ما لا يعني كله من المحرمات والمشتبهات والمكروهات وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها ، فهذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامه وبلغ إلى درجة الإحسان ، فمن عبد اللّه عن استحضار قربه ومشاهدته بقلبه وعلى استحضار قرب اللّه منه واطلاعه عليه فقد حسن إسلامه ولزم من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام ويشتغل بما يعنيه فيه فإنه يتولد من هذين الاستحياء من اللّه تعالى .
( وأما سببه الباعث عليه فالحرص على معرفة ما لا حاجة به إليه ، أو بالمباسطة بالكلام على سبيل التودد ) والتألف ، ( أو تزجية الأوقات ) أي تسويتها ( بحكايات أحوال لا فائدة فيها ، وعلاج ذلك كله أن يعلم أن الموت بين يديه ) ولا بدّ له منه على كل حال ، ( فإنه مسؤول عن كل كلمة ) يتكلم بها ( وأن أنفاسه المعدودة ) هي ( رأس ماله ) من الدنيا ، ( وأن لسانه شبكة يقدر أن يقتنص به الحور العين ) والولدان والنعيم ، ( فإهماله ذلك وتضييعه خسران ) ونقصان . ( وهذا علاجه من حيث العلم ، وأما من حيث العمل فالعزلة ) عن الناس كما قال وهيب بن الورد عن بعض الحكماء : الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت وواحد في العزلة ، فأردت من نفسي الصمت على شيء فلم أقدر عليه فصرت إلى العزلة فحصلت لي التسعة وقد تقدم ذلك قريبا . ( وأن يضع حصاة في فيه ) كما كان الصديق رضي اللّه عنه يفعله ، وأن يلزم نفسه السكوت بها عن بعض ما يعنيه حتى يعتاد اللسان ترك ما لا يعنيه ، ( وضبط اللسان في هذا على غير المعتزل شديد جدا ) فإنه لا يجد بدا من الكلام إذا كان مع جماعة ويشتد عليه حفظه للسانه ، بل ينفلت منه ولا يقدر على ضبطه . وأما إذا اعتزل مسلم من ذلك فإنه لا يجد من يخاطب معه فيرجع إلى نفسه إما بالتفكّر أو بالذكر أو بالمراقبة ، وهذا علاجه من حيث العمل .