الفساد ، واتسع الخرق وخربت البلاد ، وهلك العباد ، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد ، وقد كان الذي خفنا أن يكون ، فإنا للّه وإنا إليه راجعون ، إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه ، وانمحق بالكلية حقيقته ورسمه ، فاستولت على القلوب مداهنة الخلق وانمحت عنها مراقبة الخالق واسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم ، وعز على بساط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، فمن سعى في تلافي هذه الفترة وسد هذه الثلمة إما متكفلا بعملها أو متقلدا لتنفيذها مجددا لهذه السنة الدائرة ناهضا بأعبائها ومتشمرا في إحيائها كان مستأثرا من بين الخلق بإحياء سنّة أفضى الزمان إلى إماتتها ، ومستبدا بقربة تتضاءل درجات القرب دون ذروتها ، وها نحن نشرح علمه في أربعة أبواب .
شرح
الخرق ) على راقعه ( وخربت البلاد ) باختلاف كلمة أهلها ، ( وهلك العباد ) بتعدي القوي على الضعيف ( وإن لم يشعروا بالهلاك ) لانغماسهم في بحر الحيرة ( إلى يوم التناد ) أي القيامة حيث ينادي بعضهم بعضا ، ( وقد كان ) أي وجد ووقع ( الذي خفنا ) منه ( أن يكون ) فما يسع إلا النطق بكلمة الاسترجاع ( إنا للّه وإنا إليه راجعون ) هذا قاله المصنف في رأس الخمسمائة ، فكيف لو أدرك زماننا ونحن على رأس المائتين بعد الألف ولا قوة إلا باللّه ، ثم شرع يبين ما حق له به الاسترجاع فقال : ( إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه ) أي انطمس أثر العامل به وكذا العالم بقوانينه وحدوده ، ( وانمحى بالكلية حقيقته ورسمه ) فلم يبق إلا اسمه ، ( واستولت على القلوب مداهنة الخلق ) فيرى أحدهم منكرا يقدر على دفعه فلا يدفعه حفظا لجانب مرتكبه أو لقلة مبالاته في الدين ، ( وانمحت عنها مراقبة الخالق ) جل جلاله ( واسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات ) أي ارسلوا نفوسهم في اتباع ما تميل وتنزع إليه من مستلذات الشهوات من غير داعية الشرع ( استرسال البهائم ) في مراعيها ، ( وعز على بساط الأرض ) أي وجهها أي قل وندر وجود ( مؤمن صادق ) في إيمانه كامل في إحسانه ممن ( لا تأخذه في اللّه ) أي لأجله ( لومة لائم ) وعذلة عاذل ( فمن سعي في تلافي ) أي تدارك ( هذه الفترة وسد هذه الثلمة ) بالضم أي الخلل الواقع فيه كثلمة الحائط ( إما متكفلا بعلمها ) بأن يعلم الناس بما أعطاه من بيان قوانينها ورسومها وحدودها إن لم يكن أهلا للعمل بها ، ( أو متقلدا لتنفيذها ) وإمضائها إن كان قادرا على ذلك ( مجددا لهذه السنة الدائرة ) أي المندثرة ( ناهضا ) أي قائما ( بأعبائها ) أي بإثباتها ( ومتشمرا في إحيائها ) أي مجتهدا ( كان مستأثرا ) أي مخصوصا ( من بين الخلق ) أي من دونهم ( بإحياء سنة أفضى الزمان ) أي أهله ( إلى اماتتها ومستبدا ) أي مشتغلا ( بقربة ) أي طاعة ( تتضاءل ) أي تتصاغر ( درجات القرب دون ) البلوغ إلى ( ذروتها ) أي أعلاها ، والمراد بدرجات القرب هي المقامات التي يعطى العبد في سلوكه إلى اللّه تعالى ، ويخصص بكثير من الصفات التي يصح أن