فهذه كانت سيرة العلماء وعادتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقلة مبالاتهم بسطوة السلاطين لكنهم اتكلوا على فضل اللّه تعالى أن يحرسهم ورضوا بحكم اللّه تعالى إلى أن يرزقهم الشهادة ، فلما أخلصوا للّه النية أثر كلامهم في القلوب القاسية فليّنها وأزال قساوتها . وأما الآن فقيدت الأطماع ألسن العلماء فسكتوا وإن تكلموا لم تساعد أقوالهم أحوالهم فلم ينجحوا ولو صدقوا وقصدوا حق العلم لأفلحوا . ففساد الرعايا بفساد الملوك ، وفساد الملوك بفساد العلماء ، وفساد العلماء باستيلاء حب المال والجاه ، ومن
شرح
ومنها : وقال محمد بن كعب القرظي لعمر بن عبد العزيز : يا أمير المؤمنين إنما الدنيا سوق من الأسواق منها خرج الناس بما يضرهم وما ينفعهم ، وكم من قوم غرهم منها مثل الذي أصبحنا فيه حتى أتاهم الموت فاستوعبهم ، فخرجوا منها ملومين لم يأخذوا منها لما أحبوا من الآخرة عدة ولا لما كرهوا جنة ، واقتسم ما أجمعوا من لم يحمدهم وصاروا إلى من لا يعذرهم ، فنحن محقون يا أمير المؤمنين أن ننظر إلى تلك الأحوال التي نغبطهم بها فنخلفهم فيها وإلى الأعمال التي نتخوف عليهم فيها فنكف عنها ، فاتق اللّه وافتح الأبواب وسهل الحجاب وانصر المظلوم ورد الظالم . ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان باللّه عز وجل : إذ رضي لم يدخله رضاه في الباطل ، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق ، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له .
( فهذه كانت سيرة العلماء وعادتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقلة مبالاتهم بسطوة السلاطين ) إيثارا لإقامة حق اللّه تعالى لأنهم اتكلوا على فضل اللّه تعالى أن يحرسهم ويحوطهم من سطوتهم ، ( ورضوا بحكم اللّه تعالى أن يرزقهم الشهادة ) في سبيله ولأجله ، ( فلما أخلصوا للّه ) وفي بعض النسخ : فيه ( النية أثر كلامهم في القلوب القاسية فلينها وأزال قساوتها ) فإن الكلام إذا خرج من القلب وقع على القلب ، وكان محمد بن واسع بجنبه واعظ يعظهم فقال يوما : مالي أراكم لا تبكون ولا تخشعون ولا تتعظون ؟ فقال محمد : يا فلان أما إنهم إنما أتوا من قبلك أي لم تعظ نفسك أولا ولم تهذبها ، فكيف يؤثر كلامك فيهم ؟ ولقد كانت الملوك والأمراء من قبل يعرفون حق العلم وفضله فيصبرون على بعض هؤلاء المواعظ . ( وأما الآن ) فالذي أراه الهرب منهم والحذر من الدخول عليهم ، ( فقد قيدت الأطماع ) الدنيوية ( ألسن العلماء ) فأخرستها ، ( فسكتوا ) وصمّت آذانهم فلم يسمعوا . ( وإن تكلموا لم تساعد أقوالهم أحوالهم ) للمباينة بينها ، ( فلم ينجحوا ) أي لم يفلحوا ، ( ولو صدقوا اللّه وقصدوا حق العلم لأفلحوا ) وفازوا . ( ففساد الرعية بفساد الملوك ) أي اختلال أحوال الرعية بظلم الملوك وجورهم وأخذ الأموال منهم عدوانا ، ( وفساد الملوك بفساد العلماء ) فإنهم إذا جاروا على الرعية لم يمنعهم عن ذلك إلا العلماء لما أخذ اللّه عليهم ذلك ولهيبة العلم وجلالته تذعن لقولهم الملوك ولذا قيل :إن الأكابر يحكمون على الورى * وعلى الأكابر تحكم العلماء