تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 607

مساهمون:

ص٦٠٧
يحدى له في السفر . وإن أنجشة كان يحدو بالنساء ، والبراء بن مالك كان يحدو بالرجال ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « يا أنجشة رويدك سوقك بالقوارير » ولم يزل الحداء وراء الجمال من عادة العرب في زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وزمان الصحابة رضي اللّه عنهم وما هو إلا أشعار تؤدى بأصوات طيبة وألحان موزونة ولم ينقل عن أحد من الصحابة إنكاره ، بل ربما كانوا يلتمسون ذلك تارة لتحريك الجمال وتارة للاستلذاذ فلا يجوز أن يحرم من حيث أنه كلام مفهوم مستلذ مؤدى بأصوات طيبة وألحان موزونة .
شرح
أنجشة ) بفتح الهمزة وسكون النون وضم الجيم وفتح الشين المعجمة ( كان يحدو بالنساء ، والبراء ابن مالك ) يعني أخاه ( كان يحدو بالرجال ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « يا انجشة رويدك سوقا بالقوارير » ) قال العراقي : رواه أبو داود الطيالسي ، واتفق الشيخان منه على قصة أنجشة دون ذكر البراء بن مالك اه . قلت : قال أبو داود الطيالسي في مسنده ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس قال : كان البراء بن مالك يعني أخاه رضي اللّه عنهما يحدو بالرجال وكان انجشة يحدو بالنساء وكان حسن الصوت ، فكان إذا حدا اعنقت الإبل ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم « يا انجشة رويدك سوقك بالقوارير » . وأخرجه أحمد بن سلمة وهو حديث صحيح . وقصة انجشة مخرجة في الصحيحين من غير هذا الوجه من طريق أيوب عن أبي قلابة ، عن أنس . وسياقه أتم لكن لم يذكر البراء وفيهما من طريق قتادة عن أنس قال : كان للنبي صلّى اللّه عليه وسلم حاد يقال له « أنجشة » وفيه قال قتادة القوارير ضعفة النساء . وقال أبو مسلم الكجي في سننه : حدثنا محمد بن عبد اللّه الأنصاري ، حدثنا حميد عن أنس قال : كان يسوق بأمهات المؤمنين رجل يقال له أنجشة فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم « رويدك ارفق بالقوارير » وأخرجه عن أبن أبي عدي عن حميد . ( ولم يزل الحداء وراء الجمال من عادة العرب في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وزمان الصحابة ) رضوان اللّه عليهم ( وما هي إلا أشعار تؤدى بأصوات طيبة وألحان موزونة ) . قال الماوردي وغيره : تحسين الرجز بالصوت الشجي عند كلال السفر تنشيطا للنفوس ، ومنهم من لم يقيده بالرجز لكنه الأكثر ، ( ولم ينقل عن أحد من الصحابة إنكاره بل ربما كانوا يلتمسون ذلك تارة لتحريك الجمال ، وتارة للاستلذاذ فلا يحرم من حيث أنه كلام مفهوم مستلذ مؤدى بأصوات طيبة وألحان موزونة ) . قال صاحب الاقناع : ولا أعلم خلافا في جواز الحداء ، وقد صرح بنفي الخلاف جماعة منهم ابن عبد البر والقرطبي وغيرهما . وفي كلام ابن أحمد أن في الرعاية الكبرى ما يقتضي خلافا ولم أره لغيره ، فإن ذهب إلى التحريم أو الكراهة فيقطع بعدم الاعتداد به ، ولو قيل باستحبابه لكان أقرب ، فإن فيه تخفيف كلال السفر ونشاط النفس وتقطع الإبل المفاوز وتحمل الأثقال به ، وقد أشار القرطبي إلى ذلك فقال : ربما يندب إليه .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 607 | مرتضى الزبيدي