وأخدانا . وفي الآخرة رفقاء وخلانا . والصلاة على محمد المصطفى وعلى آله وأصحابه الذين اتبعوه واقتدوا به قولا وفعلا وعدلا وإحسانا .
أما بعد ؛ فإن التحاب في اللّه تعالى والأخوّة في دينه من أفضل القربات ، وألطف ما يستفاد من الطاعات في مجاري العادات . ولها شروط بها يلتحق المتصاحبون بالمتحابين في اللّه تعالى وفيها حقوق بمراعاتها تصفو الأخوّة عن شوائب الكدورات ونزغات الشيطان ، فبالقيام بحقوقها يتقرب إلى اللّه زلفى وبالمحافظة عليها تنال الدرجات العلى ، ونحن نبين مقاصد هذا الكتاب في ثلاثة أبواب .
شرح
فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً[ آل عمران : 103 ] ( ونزع الغل ) بالكسر هو الحقد ( من صدورهم ) أي من بواطنهم ( فظلوا ) أي صاروا ( في الدنيا أصدقاء ) جمع صديق وهو الذي يصحبك بالصدق ( وأخدانا ) جمع خدن بالكسر وهو صاحب السر ، ( وفي الآخرة رفقاء ) جمع رفيق ( وخلانا ) جمع خليل كنديم وندمان ، وفي الجملة اقتباس من قوله تعالىوَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ[ الحجر : 47 ] . ( والصلاة ) مع السلام ( على ) سيدتا ( محمد ) عبده ( المصطفى ) يقال : اصطفاه إذا تناول صفوه ، واصطفى اللّه عبده يحتمل معنيين قد يكون بمعنى إياه صافيا عن شوائب الكدورات ، وقد يكون بمعنى تخليصه منها ، وكلا المعنيين جاريان في لقبه صلّى اللّه عليه وسلم ( وعلى آله وأصحابه الذين اتبعوه ) أي سلكوا طريقته ( واقتدوا به ) في سلوكهم في سائر شؤونهم وأحوالهم ( قولا وفعلا وعدلا وإحسانا ) .
( أما بعد : فإن التحابب ) تفاعل من الحب وهو ميل القلب أو إحساس بوصلة لا يدري كنهها ( في اللّه تعالى ) أي في ذاته لا لغرض عاجل أو آجل ( والأخوة في دينه من أفضل القربات ) جمع قربة بالضم ، أي أفضل ما يتقرب به إلى اللّه تعالى ، ( وألطف ) أي أرق وأحسن ( ما يستفاد ) أي يحصل ( من الطاعات ) المرضية التي بها يتقرب إلى اللّه تعالى ( في مجاري العادات ) جمع مجرى مصدر ميمي ، والعادات جمع عادة وهي كل ما تكرر واستمر عليه الناس واشتقاقها من عاد يعود إذا رجع ، ( ولها شروط بها يلتحق المتصاحبون بالمتحابين في اللّه ) أي بمرتبتهم وسيأتي ذكر المتحابين في اللّه قريبا ، ( وفيها حقوق بمراعاتها ) والوقوف بإزائها ( تصفو الأخوة ) أي تخلص ( عن شوائب الكدورات ) أصل الشوب الخلط وإن قل فاعلة بمعنى مفعولة مثل عيشة راضية . وقال الجوهري : الشوائب جمع شائبة وهي الأدناس والأقذار ، والكدورات جمع كدورة كل ما يكدر النفس ، ( ونزغات الشياطين ) أي عن وساوسهم وإفساداتهم ، ( فبالقيام بحقوقها ) الآتي ذكرها ( يتقرب إلى اللّه زلفى ) أي قربى ( وبالمحافظة عليها تنال الدرجات العلى ) أي العالية ، ( ونحن نبين مقاصد هذا الكتاب في ثلاثة أبواب .