وذلك لا بأس به إذا صحت النية ، ولم يكن فيه هوى وشهوة .
الثالث : تبييضها بالكبريت استعجالا لإظهار علو السن توصلا إلى التوقير وقبول الشهادة والتصديق بالرواية عن الشيوخ وترفعا عن الشباب وإظهارا لكثرة العلم ظنا بأن كثرة الأيام تعطيه فضلا ، وهيهات فلا يزيد كبر السن للجاهل إلا جهلا فالعلم ثمرة العقل وهي غريزة ولا يؤثر الشيب فيها ، ومن كانت غريزته الحمق فطول المدة يؤكد حماقته ، وقد كان الشيوخ يقدمون الشباب بالعلم . كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه
شرح
فإنه كان يخضب كذلك بهذه النية ، ( وذلك لا بأس به إذا صحت النية ولم يكن فيه هوى وشهوة ) للنفس ، والأصل فيه لصاحب القوت حيث قال : فأما الخضاب بالسواد فقد يروى عن بعض العلماء ممن كان يقاتل في سبيل اللّه وعز وجل أنه كان يخضب بالسواد ولكن لم يخضب به لأجل الهوى ولا لتدليس الشيب إنما كان يعد هذا من إعداد العدة لأعداء اللّه لمعنى قوله تعالى :وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ[ الأنفال : 60 ] وإظهار الشباب من القوّة ، وقد رمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه واضطجع هو وأصحابه ليراهم الكفار فيعلمون أن فيهم جلدا وقوّة ومن صنع شيئا بنية حسنة صالحة يريد بذلك وجه اللّه تعالى وكان عالما بما ذهب إليه فهو فاضل في فعله كان ذلك من أدون أعماله ، فلا ينبغي أن يستن به فيه لأنّا روينا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من شر الناس منزلة من يقتدي بسيئة المؤمن ويترك حسنته » فأخبر أن للمؤمن سيئة وحسنة وأن من شرار الناس من تأسى بها معذرة لنفسه في هواها .
( الثالث : تبييضها بالكبريت ) ونحوه ، والكبريت عين يجري فإذا جمد ماؤه صار كبريتا وهو أنواع : أصفر وأبيض وكدر وجميع أنواعه يبيض الشعر بخورا ( استعجالا لاظهار علو السن ) وسترا للحداثة ( توصلا إلى التوقير ) والتعظيم عند الناس والرئاسة ( و ) توصلا إلى ( قبول الشهادة ) أي لتقبل شهادته عند الحكام ( و ) إلى ( التصديق بالرواية ) أي لينفق بذلك حديثه ( عن الشيوخ ) الماضين ، ويدعى بالسن مشاهدة من لم يره ، وقد فعل ذلك بعض الشهود وبعض المحدثين ، ( وترفعا عن الشباب وإظهارا لكثرة العلم ) وقد فعل ذلك بعض القصاص والوعاظ لرواج قولهم ( ظنا ) منه بجهله ( بأن كثرة الأيام ) التي بيضت شعر لحيته ( تعطيه فضلا ) أو تجعل فيه علما ، ولا يعلم أن العقل غرائز في القلوب وأن العلم والعمل مواهب من اللّه تعالى علام الغيوب ، وإليه أشار المصنف بقوله : ( وهيهات فلا يزيد كبر السن للجاهل إلّا جهلا فالعلم ثمرة العقل وهي غريزة ) في القلب ( ولا يؤثر الشيب فيها ) بكثرة وزيادة ، ( ومن كانت غريزته الحمق ) وطبيعته الجهل ( فطول المدة ) وكثرة الأيام ( يؤكد حماقته ) كلما كبر ويزيد جهله كلما أسن ، ورأينا جميع ذلك كثيرا في كثير من الناس ، ( وقد كان الشيوخ ) في السن والعلم ( يقدمون الشباب ) ويرون فضلهم ( بالعلم ) والدين تواضعا وإخباتا لا تكبرا بالكبر ولا علوّا . ( كان ) أمير المؤمنين ( عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقدم )