تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
وذلك ليس بكفر . والشك في كمال الإيمان حق من وجهين ، أحدهما : من حيث أن النفاق يزيل كمال الإيمان وهو خفي لا تتحقق البراءة منه ، والثاني : أنه يكمل بأعمال الطاعات ولا يدري وجودها على الكمال ، أما العمل قال اللّه تعالى :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
[ الحجرات : 15 ] ، فيكون الشك في هذا الصدق وكذلك قال اللّه تعالى :
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ
[ البقرة : 177 ] ، فشرط عشرين وصفا كالوفاء بالعهد والصبر على الشدائد . ثم قال تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا
[ البقرة : 177 ] ، وقد بكفر ) ، كما زعموا أن الشك في الإيمان كفر ، وإنما الموسوم بالكفر هو الشك في أصله وثبوته للحال بالاتفاق ، ( والشك في كمال الايمان حق ) صحيح ( من حيث أن النفاق ) الذي هو إضمار القلب على خلاف في ظاهره ( يزيل كمال الإيمان ) ، وكلاهما محلهما القلب ولا يزيل أصل الايمان ( وهو ) أي النفاق ( خفي ) لأن محله القلب ، ولهذا ( لا يتحقق البراءة منه ) في الظاهر إلا بالامارات . ( والثاني أنه ) أي الايمان ( يكمل بإكمال الطاعات ) وهذا إذا جعلت الأعمال داخلة في مسمى الايمان ( ولا يدري وجودها على ) وجه ( الكمال ) أي : أن المؤمن غير جازم بكمال الأعمال عنده ، وبهذا يشعر كلام كثير من السلف وأنهم إنما أثبتوا لذلك ، وفيه بحث سيأتي في تقرير كلام السبكي ، ثم سرد المصنف الآيات القرآنية الدالة على ما قدم ذكره من انقسام المؤمنين إلى قسمين ، فقال تبعا لصاحب القوت : ( قال اللّه تعالى )
وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ * يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ
[ الأنفال : 5 ، 6 ] ، وقال تعالى في وصف أخرى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
[ الصف : 2 ، 3 ] . وقال في نعت الصادقين (
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
[ الحجرات : 15 ] فيكون الشك في هذا الصدق ) الذي وصفوا به لا في أصل الايمان ، ( وكذلك قال اللّه تعالى ) في مثل وصفهم :
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ
الآية ، [ 177 من سورة البقرة ] ( فشرط ) ونص القوت : فذكر ( عشرين وصفا ) إلى قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
[ 177 من سورة البقرة ] منها الإيثار بالمال على حبه ( وكالوفاء بالعهد والصبر على ) الأمراض والجوع و ( الشدائد ، ثم قال تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ) وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ،
فعند ذلك شهد لهم بالصدق والتقوى . قلت : هذه الآية كما ترى جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها دالة عليها صريحا أو ضمنا ، فإنها مع كثرتها وتشعبها منحصرة في ثلاثة أشياء : صحة الاعتقاد ، وحسن المعاشرة ، وتهذيب النفس . وقد أشير إلى الأول بقوله :
مَنْ آمَنَ
إلى قوله
وَالنَّبِيِّينَ
وإلى الثاني أشار بقوله :