العاقل لا يدعه ما ستر اللّه من عيوبه يفرح بما أظهره من محاسنه ، والعاقل لا يساكن شهوة الطبع لعلمه بزوالها ، والجاهل يظن بقاءها فهذا يشقى بعقله وهذا ينعم بجهله . ومن كان عاقلا كانت حسنته كبيرة وسيئته ليست صغيرة لأنّه خالف الأمر على بصيرة .
أقل النّاس عذرا في ارتكاب القبيح من عرف قبحه .
الجاهل أوسع من العاقل عذرا وأخلا من الهمّ صدرا ، وإذا عمل حسنة لا يذوق حلاوتها ولا يروق له طلاوتها ، إلّا أنّه إذا عمل سيئة لم تكن جراءة على اللّه لأنه جاهل باللّه ، فلهذا يخفّف عن الجاهل ما لا يخفّف عن العالم . ويقال : زلّة العاقل مضروب بها الطبل وزلّة الجاهل يخفيها الجهل ، العاقل إذا زلّ قل عذره . وقال حكيم : العقل جوهر والغضب يزيله ، والدّين جوهر والحسد يزيله والحياء جوهر والطمع يزيله . ويقال : من زيد في عقله نقص من رزقه كأنه فيما قدّر له محسوب عليه ، هذا وربّما أخطأ الحازم رشده ، وأصاب العاجز قصده ، شعر « 1 » ( الطويل )
وقد تحكم الأيام من كان جاهلا
ويردي الهوى ذا العقل وهو لبيب
ويحمد في الامر الفتى وهو مخطئ
ويعذل في الاحسان وهو مصيب
جبلت الخليقة على أمور عجيبة ؛ فالرّجل المنقوص ينفر من الرجل الفاضل ، والأحمق يكره العاقل ويعيبه ، شعر ( الوافر )
فليس لامر دنيانا حساب
ولا تبع التعقل فيه دأب
فعش في جدّ أحمق ساعدته
حظوظ قد يخالفها الصواب / 16 أ /
حكي أن الإسكندر سأل من أمّه أن تدعو له ، فقالت : رزقك اللّه حظّا يخدمك به ذو العقول لا عقلا تخدم به ذوي الحظوظ . وفي الأمثال اسع بجدّك لا بكدّك ، الجدّ أجدى والكد أكدى .
هامش
( 1 ) ورد البيتان في الذخائر وينسبان إلى الفضل بن العباس ، ص 31 .