وقال الإمام أبو يوسف « 1 » : الناس ثلاثة مجنون ونصف مجنون وعاقل ؛ فالمجنون أنت معه في راحة لتركك الاختلاط به ، فأمّا النّصف مجنون فأنت معه في تعب لضرورة الاحتياج إليه ، وأمّا العاقل فقد كفيت شرّه ومئونته . وقال حكيم : الانسان محسود بالنّعمة مقصود بالأذيّة فإذا لم يكن مداريا مساريا تخبّطته أيدي حاسديه ، وتحكّمت فيه أهوى أعاديه ، فلم تسلم له نعمة ولم تصف له مدّة ، ولم ينج من تخطّف شياطين الإنس ولم يحصل له أنس ، وإذا كان مداريا مساريا انتصر على أعدائه وامتنع من حسّاده ، فسلمت نعمته منهم وصفت مدّته عنهم ، وإن كان صفو الزّمان عسرا وسلمه خطرا ، والانسان بما أفيض عليه من هداية العقل قادر على إظهار محاسن غير ما يقتضيه طبعه ، ويخفي مساوئه التي في جبلّته وهذه أدنى مراتب الانسانيّة / 125 ب / .
وقد اصطلح الناس على سقم السريرة وزور العلانية ، وكان سفيان الثوري يقول في ذلك : افتضحوا فاصطلحوا ، وإنك لا تجد مهذّبا لا يكون فيه عيب ولا يقع منه ذنب ما بقيت ، واعتبر بنفسك بعد أن لا تراها بعين الرّضا ، ولا تجري فيها بحكم الهوى فإنّ في اعتبارك واختيارك لها ما يؤيسك ممّا تطلب . وفي أسئلة الحكم « 2 » : فإن قيل ما الحكمة في أنّ اللّه سبحانه لم يخلق الخلق مستويين في الصّورة والسّيرة وفضّل بعضهم على بعض ، قلنا : لإظهار كمال القدرة أنّه قادر على كلّ شيء . وقد نبّه على ذلك في القرآن الكريم فقال تعالي :
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
« 3 » .
وكل شيء في الوجود تنكشف حقيقته بضدّه ؛ فالسّقم يبيّن قدر العافية ، والفقر قدر الغنى ، والقبح قدر الحسن ، ولولا الكافر ما عرف قدر المؤمن ، ولولا
هامش
( 1 ) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب ( ت 182 ه / 798 م ) صاحب الامام أبي حنفية وتلميذه ، فقيه ، محدث ، ولي قضاء بغداد أيام المهدي والهادي والرشيد ، وهو أول من تسمّى بقاضي القضاة ، له العديد من الآثار لعل من اشهرها كتابه الخراج . البداية والنهاية 10 / 180 - 182 ؛ وفيات الأعيان 6 / 378 - 390 ؛ مرآة الجنان 1 / 382 - 388 ؛ تاريخ بغداد 14 / 242 - 243 ؛ المعارف 499 ؛ طبقات الفقهاء لطاش كبرى زاده ، 15 - 16 .
( 2 ) أسئلة الحكم للشيخ علاء الدين علي دده البسنوي . كشف الظنون ، ص 91 .
( 3 ) سورة الرعد : آية ( 4 ) .