لا تعود والميت لا يرجع وتفوتك السعادة التي خلقت لها ، فيا لها حسرة لا تنقضي وغبن لا يزول إذا عاينت درجات السابقين وأبصرت منازل المقربين وأنت مقصر في الأعمال الصالحة خليّ من المتاجر الرابحة ، فقس ذلك الألم على هذا الألم الذي أصابك في الدنيا ، وادفع أصعبها عليك مع أنك لا تقدر على دفع سبب ذلك وقدر على دفع سبب هذا ، كما قال علي عليه السّلام : إن صبرت جرى عليك القضاء وأنت مأجور ، وإن جزعت جرى عليك القضاء وأنت مأزور ، فاغتنم شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك واجعل الموت نصب عينك واستعد له بصالح العمل ودع الاشتغال بغيرك ، فإن الأمر يأتي فيزول وتأمل قوله ( تعالى ) :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
« 1 » فقصّر أملك وأصلح عملك ، فإنما السبب الأكثر الموجب للاهتمام بالأموال والأولاد طول الأمل .
وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لبعض أصحابه : إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح ، وخذ من حياتك لموتك ومن صحتك لسقمك ، فإنك لا تدري ما اسمك غدا .
وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : إن اشدّ ما أخاف عليكم خصلتان : اتباع الهوى وطول الأمل ، فأما اتباع الهوى فإنه يعدل عن الحق ، وأما طول الأمل فإنه يورث الحب للدنيا ، ثم قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
الا إن اللّه يعطي الدنيا لمن يحب ويبغض ، وإذا أحب عبدا أعطاه الإيمان ، ألا إن للدين أبناء وللدنيا أبناء فكونوا من أبناء الدين ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، ألا إن الدنيا قد ارتحلت مولّية ، ألا إن الآخرة قد أتت مقبلة ، ألا وإنكم في يوم عمل ليس فيه حساب ، ألا وإنكم توشكون في يوم حساب ليس فيه عمل .
وقد جعل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الحب للّه من شرط الإيمان فقال : لا يؤمن أحدكم حتى يكون اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما ، ولا يتحقق الحب في قلب أحد إلّا مع كراهة سخطه به بل مع عدم رضاه به على وجه الحقيقة لا وجه التقية والتكلف .
وفي أخبار داود عليه السّلام : يا داود أبلغ أهل أرضي أني حبيب من أحبني وجليس من جالسني ، ومؤنس لمن أنس بذكري وصاحب لمن صاحبني ، ومختار لمن اختارني ومطيع لمن أطاعني ، ما أحببني أحد أعلم ذلك من قلبه إلّا مثلته « 2 » لنفسي وأحببته حبّا لا يتقدمه أحد من خلقي ، من طلبني بالحق وجدني ومن طلب غيري لم يجدني ، فارفضوا يا أهل
هامش
( 1 ) - النجم : 39 .
( 2 ) - خ ل : قبلته .