وقد ميّز الناس بين ما كلفه أمير المؤمنين من مبيته على الفراش وبين ما كلفه إسماعيل عليه السّلام وقول إبراهيم عليه السّلام :
إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى
« 1 » وقول إسماعيل عليه السّلام :
يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ
« 2 » فوجدوا تكليف أمير المؤمنين عليه السّلام أشقّ ، وما بلي به أعظم وأشد لأن إسماعيل عليه السّلام سلم لهلاك يناله بيد أبيه ، وأمير المؤمنين ) ( صلوات اللّه عليه ) سلم لهلاك يناله بيد أعدائه المشركين ، وقد كان يجوز أن يحمل أباه الرقة على أن يرجع اللّه فيه ، وأمير المؤمنين عليه السّلام لم يكن يطمع في رقة عليه من المشركين ، فبين التكليفين فرق عظيم ، وإذا كان بالتكليف يستحق عند اللّه ( تعالى ) المنازل العاليات فأعظم التكليف يستحق عليه أعظم الثواب لا سيما تكليف فديت به مهجة خير الأنام ، وتمّت الهجرة التي هي سبب تنفيذ شريعة الإسلام .
ونقل عن الشافعي أنه قال : اجتمع في علي بن أبي طالب عليه السّلام فضائل لم تجمع في غيره إلّا نادرا ، اجتمع فيه العلم والعمل بالكمال ، وقلّ ما يكون العالم عاملا واجتمع فيه الفقر والسخاء بالكمال وقلّ ما يكون الفقير سخيّا ، واجتمع فيه الشجاعة ورقة القلب بالكمال وقلّ ما يكون الشجاع رقيق القلب ، واجتمع فيه الزهد وحسن الخلق بالكمال وقلّ ما يكون الزاهد حسن الخلق ، واجتمع فيه الحسب والتواضع وقلّ ما يكون الحسيب متواضعا .
وروي أيضا عن محمد بن إدريس الشافعي إذ قيل له : ما تقول في حقّ علي عليه السّلام ؟
فقال : ما أقول في رجل أخفت أولياؤه فضائله خوفا ، وأخفت أعداؤه فضائله حسدا ، وشاع له من هذين ما ملأ الخافقين . ولقد نظم هذا المعنى السيد الجليل والفاضل الأثيل السيد تاج الدين العاملي « ره » فقال :
لقد كتمت آثار آل محمد * محبوهم خوفا وأعداؤهم بغضا
فأبرز من بين الفريقين نبذة * بها ملأ اللّه السماوات والأرضا
واقتصرت على هذا اليسير من فضائله عليه السّلام ، فإنّها تعجز عن حصرها الأقلام ولا تدرك مداها الأفهام .
قيل : دخل عمرو بن العاص على معاوية مبشرا له بموت علي عليه السّلام فقال له : أيها
هامش
( 1 ) - الصافات : 102 .
( 2 ) - الصافات : 102 .