تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التنبيهات العَليّة على وظائف الصلاة القلبية — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
ومن رأى نفسه بصورة التّقصير في القراءة كان ذلك سبب قربه ، ومن شاهد نفسه بعين الرّضا ، فهو محجوب بنفسه .
هامش
- النّافع هم ، نزّلت أنفسهم منهم في البلاء كالّتي نزّلت في الرّخاء ، ولولا الأجل الّذي كتب اللّه عليهم ؛ لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين ، شوقا إلى الثّواب ، وخوفا من العقاب . عظم الخالق في أنفسهم ، فصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنّة كمن قد رآها ، فهم فيها منعّمون ، وهم والنّار كمن قد رآها ، فهم فيها معذّبون ، قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة . صبروا أيّاما قصيرة ، أعقبتهم راحة طويلة ، تجارة مربحة يسّرها لهم ربّهم ، أرادتهم الدّنيا فلم يريدوها ، وأسرتهم ففدو أنفسهم منها ، أمّا اللّيل فصافّون أقدامهم ، تالين لأجزاء القرآن يرتّلونها ترتيلا ، يحزّنون به أنفسهم ، ويستثيرون به دواء دائهم ، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ؛ ركنوا إليها طمعا ، وتطلّعت نفوسهم إليها شوقا ، وظنّوا أنّها نصب أعينهم ، وإذا مرّوا بآية فيها تخويف ؛ أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنّوا أنّ زفير جهنّم وشهيقها في أصول آذانهم ، فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم واكفّهم وركبهم ، وأطراف أقدامهم ، يطلبون إلى اللّه تعالى في فكاك رقابهم ، وأمّا النّهار ؛ فحلماء ، علماء ، أبرار ، أتقياء ، قد براهم الخوف بري القداح ، ينظر إليهم النّاظر فيحسبهم مرضى ، وما بالقوم من مرض ، ويقول : لقد خولطوا ! ولقد خالطهم أمر عظيم ! لا يرضون من أعمالهم القليل ، ولا يستكثرون الكثير ، فهم لأنفسهم متّهمون ، ومن أعمالهم مشفقون ، إذا زكّي أحد منهم خاف ممّا يقال له ؛ فيقول : أنا أعلم بنفسي من غيري ، وربّي أعلم بي منّي بنفسي ! اللّهمّ لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني أفضل ممّا يظنّون ، واغفر لي ما لا يعلمون . فمن علامة أحدهم أنّك ترى له قوّة في دين ، وحزما في لين ، وإيمانا في يقين ، وحرصا في علم ، وعلما في حلم ، وقصدا في غنى ، وخشوعا في عبادة ، وتجمّلا في فاقة ، وصبرا في شدّة ، وطلبا في حلال ، ونشاطا في هدى ، وتحرّجا عن طمع ؛ يعمل الأعمال الصّالحة وهو على وجل ، يمسي وهمّه الشّكر ، ويصبح وهمّه الذّكر ، يبيت حذرا ، ويصبح فرحا ؛ حذرا لما حذّر من الغفلة ، وفرحا بما أصاب من الفضل والرّحمة . إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره ، لم يعطها سؤلها فيما تحبّ ، قرّة عينه فيما لا يزول ، وزهادته فيما لا يبقى ، يمزج الحلم بالعلم ، والقول بالعمل ، تراه قريبا أمله ، قليلا زلله ، خاشعا قلبه ، قانعة نفسه ، منزورا أكله ، سهلا أمره ، حريزا دينه ، ميّتة شهوته ، مكظوما غيضه ، الخير منه مأمول ، والشّرّ منه مأمون ، إن كان في الغافلين كتب في الذّاكرين ، وإن كان في الذّاكرين لم يكتب من الغافلين ، يعفو عمّن ظلمه ، ويعطي من حرمه ، ويصل من قطعه ، بعيدا فحشه ، لينا قوله ، غائبا -
التنبيهات العَليّة على وظائف الصلاة القلبية — صفحة 140 | الشهيد الثاني / بصرى / صفاء الدين البصري