اللطائف « 182 » والوجوه التي يمكن التوصل بها إليها ، فتراه أبدا كأنه إبله ، وهو متباله يحصي دقائق الأمور ، ويدبر لطيفات الحيل ، فلا ينطق حتى يجد « 183 » جوابا مسكتا ، أو خطابا معجزا ، ولا يفعل حتى يرى فرصة حاضرة ، ومضرة غائبة فعدوه « 184 » مغتر بعداوته . ومقدر « 185 » عليه الغفلة والبله بغوايته « 186 » ، وهو مثل النار الكامنة في الرماد ، والصوارم المكنونة في الأغماد « 187 » .
قال المؤرخون : أشهر الناس بالدهاء معاوية بن أبي سفيان ، ومما يروى من دهائه وحسن إدارته « 188 » وتدبيره أن المسلمين غزوا في أيامه ، فأسر جماعة منهم فوقفوا بين يدي ملك الروم بقسطنطينية فتكلم بعض أسارى المسلمين ، فدنا منه بعض البطارقة ممن كان واقفا بين يدي الملك ، فلطم حر وجهه ، وكان رجلا من قريش « 189 » فصاح : وإسلاماه . أين أنت يا معاوية ، إذا أهملتنا وأضعت ثغورنا ، وحكمت العدو في دمائنا وأعراضنا ، فنمى ذلك الخبر إلى معاوية ، فآلمه « 190 » ، وامتنع من لذيذ الطعام والشراب ، فخلا بنفسه ، وامتنع « 191 » عن الناس ، ولم يظهر ذلك لأحد من المخلوقين ثم أعمل الحيلة في إقامة الفداء بين المسلمين والروم ، إلى أن فدى ذلك الرجل ، ومن أسر معه من المسلمين ، فلما صار الرجل إلى دار الإسلام ، دعاه معاوية ، فبره وأحسن إليه ثم قال له : لم نهملك ، ولم نضعك « 192 » ، ولا أبحنا دمك وعرضك .
ومعاوية في أثناء ذلك « 193 » يدبر الرأي ويعمل الحيلة . ثم « 194 » بعث إلى رجل
هامش
( 182 ) كلمة اللطائف غير واردة في سياسة المرادي
( 183 ) سياسة المرادي : يرى
( 184 ) ج : فعدوا مغترا
( 185 ) د : ومقدرا
( 186 ) د : بغاية
( 187 ) ورد النص في سياسة المرادي ص 201 وقد نقله أيضا ابن الأزرق في بدائع السلك ج 1 ص 505 - 506
( 188 ) ا ، ب : إرادته
( 189 ) ق : قرشيا
( 190 ) د : فتألم من ذلك
( 191 ) د : واحتجب
( 192 ) ه : ولا نضعك
( 193 ) ق : يدير الأمر
( 194 ) د : وبعث