وتارة يطوف بك على ندمان حضرته ، ويحملك على رفرف رأفته
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ
[ الإسراء : 1 ] .
وتارة يشهدك جمال أحديته
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
[ النجم : 11 ] .
وتارة يشهدك جمال صمدانيته
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
[ النجم : 17 ] .
وتارة يطلعك على سرائر ملكوتيته
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
[ النجم : 10 ] .
وتارة يدليك من حضرته قربه
فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
[ النجم : 9 ] .
يا محمد ، هذا أوان الظمآن إليه ، واللهفان عليه ، والمتحير فيه ، لا أدري من أي جهة آتيه ، جعلني أعظم خلقه ، فكنت : أعظمهم وأشدهم خوفا منه .
يا محمد : خلقني يوم خلقني ، فكنت أرعد من هيبة جلاله ، فكتب على قائمتي : " لا إله إلا اللّه " فازددت لهيبة اسمه ارتعادا وارتعاشا .
فلما كتب عليّ " محمد رسول اللّه " سكن لذلك قلقي ، وهدأ روعي ، فكان اسمك أمانا لقلبي ، وطمأنينة لسري ، ورقية لقلقي .
فهذه بركة وضع اسمك عليّ ، فكيف إذا وقع جميل نظرك إليّ .
يا محمد : أنت المرسل رحمة للعالمين ، ولا بدّ لي من نصيب في هذه الليلة ، ونصيبي من ذلك أن تشهد لي بالبراءة من النار ، مما نسبه إليّ أهل الزور ، وتقوّله عليّ أهل الغرور ، فإنه أخطأ في قوم فضلوا ، وظنوا أني أسع من لا حدّ له ، وأحمل من لا هيئة له ، وأحيط بمن لا كيفية له .
يا محمد من لا حدّ لذاته ، ولا عدّ لصفاته ، فكيف يكون مفتقرا إليّ أو محمولا عليّ ، فإذا كان الرحمن اسمه ، ولا الاستواء صفته ونعته ، وصفته ونعته متصلان بذاته فكيف يتصل بي أو ينفصل عني ؟ ولا أنا منه ولا هو مني .
يا محمد ، وعزته لست بالقرب منه وصلا ، ولا بالبعد عنه فصلا ، ولا بالمطيق له حملا ، ولا بالجامع له شملا ، ولا بالواجد له مثلا .
بل أوجدني من رحمته : منّة وفضلا ، ولو محقني لكان فضلا منه وعدلا .