وتزينت أترابها ، وروق شرابها ، كل ذلك فرحا بقدومك ، وسرورا بورودك .
والليلة ليلتك والدولة دولتك ، وأنا منذ خلقت منتظر هذه الليلة ، وقد جعلتك الوسيلة في حاجة ، قلت فيها حيلتي ، وانقطعت وسيلتي فيها ، فأنا فيها حائر العقل ، ذاهل الفكر ، داهش السر ، مشغول البال ، زائد البلبال .
يا محمد : حيرتي أوقفتني في ميادين أزله وأبده ، فجلت في الميدان الأول ، فما وجدت له أول ، وملت إلى الميدان الآخر ، فإذا هو في الآخر أول ، فطلبت رفيقا إلى ذلك الرفيق ، فتلقاني ميكائيل في الطريق ، فقال لي : إلى أين ؟ الطريق مسدودة ، والأبواب دونه مردودة ، لا يوصل إليه بالأزمان المعدودة ، ولا يوجد في الأماكن المحدودة .
قلت : فما وقوفك في هذا المقام ؟
قال : شغلني بمكاييل البحار ، وإنزال الأمطار ، وإرسالها في سائر الأقطار ، فأعرف كم يغرف أجاجها مددا ، وكم تقذف أمواجها زبدا ، ولا أعرف للأحدية أمدا ، ولا للفردية عددا .
قلت : فأين إسرافيل ؟ قال : ذلك أدخل في مكتب التعليم ، يصافح بصفحة وجهه اللوح المحفوظ ، ويستنسخ منه ما هو مبروم ومنقوض ، ثم يقرأ على صبيان التعليم ، في مثال
ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
[ الأنعام : 96 ] ، ثم هو في زمن تعلمه : لا يرفع رأسه حياء من معلمه ، فطرفه عن النظر مقصور ، وقلبه عن الفكر محصور ، فهو كذلك إلى يوم ينفخ في الصور .
قلت : فهلم نسأل العرش ونستهديه ، ونستنسخ منه ما علمه ونستمليه .
فلما سمع العرش ما نحن فيه اهتز طربا ، وقال : لا تحرك به لسانك ، ولا تحدث به جنانك ، فهذا سر لا يكشفه حجاب ، وستر لا يفتح دونه باب ، وسؤال [ ليس له ] " 1 " جواب ، ومن أنا في البين حتى أعرف له أين ؟
هامش
( 1 ) في ( ع ) لا يعرف له - بدل - ليس له .