وما أنا إلا مخلوق من حرفين " 1 " ، وبالأمس كنت لا أثر ولا عين .
من كان بالأمس عدما مفقودا ، كيف يعرف رؤية من لم يزل موجودا [ ولا يزال معبودا ، وكيف يسمع من يسمع من لا حد له محدودا ، ولا عددا له معدودا ] " 2 " ، ولا والدا ولا مولودا .
وهو سبقني بالاستواء ، وقهرني بالاستيلاء ، فلو لا استواؤه لما استويت ، ولولا استهداءه لما استهديت .
استوى إلى السماء وهي دخان ، واستوى على العرش لقيام البرهان ، فو عزته لقد استوى ، ولا علم لي بما استوى ، وأنا والثرى بالقرب منه على حد سوى ، فلا أحيط بما حوى ، ولا أعرف ما زوى ، ولكني عبد له ، ولكل عبد ما نوى .
ثم إني أخبرك بقصتي ، وأبث إليك شكوى غصتي ، أقسم بعلي عزته ، وقوي قدرته ، لقد خلقني ، وفي بحار أحديته غرقني ، وفي بيداء أبديته حيرني .
تارة يطلع من مطالع أبديته فيغشني .
وتارة يدنيني من مواقف قربه ، فيؤنسني .
وتارة يحتجب بحجاب عزته فيوحشني .
وتارة يناجيني بمناجاة لطفه فيطربني .
وتارة يواصلني بكاسات حبه ، فيسكرني .
وكلما استعذبت من عربدة سكري ، قال لسان أحديته : لن تراني .
فذبت من هيبته فرقا ، وتمزقت من محبته قلقا ، وصعقت عن تجلي عظمته كما - خرّ موسى صعقا - .
فلما أفقت من سكرة وجدي به قيل لي : أيها العاشق ، هذا جمال قد صناه ،
هامش
( 1 ) يعني كن - الكاف والنون .
( 2 ) الزيادة من ( أ ) و ( ع ) .