وظهر جوهر النون " نون النكرة ، ونون المعرفة " ، فلما أبرزهم من كنّ العدم على حكم مراد القدم ورشّ عليهم من نوره ، فأما من أصابه ذلك النور فحدق " 1 " إلى تمثال شجرة الكون المستخرجة من حبة " كن " ، فلاح له في سر كافها تمثال -
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ -
واتضح له في شرح لونها
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
[ الزمر : 22 ] .
وأما من أخطأه ذلك النور ، فطولب بكشف المعنى المقصود من حرف " كن " فغلط في هجائه وخاب في رجائه ، فنظر إلى مثال كن ، فظن أنها كاف كفرية ، بنون نكرة ، فكان من الكافرين .
وكان حظ كل مخلوق من كلمة " كن " : ما علم من هجاء حروفها ، وما شهد من سرائر خفائها ، دليله قوله صلّى اللّه عليه وسلّم " إن اللّه خلق خلقه في ظلمة ، ثم رش عليهم من نوره ، فمن أصابه ذلك النور اهتدى ، ومن أخطأه ذلك النور ضل وغوى " " 2 " .
فلما نظر آدم إلى دائرة الوجود ، فوجد كل موجود دائرا في دائرة الكون : واحد من نار ، وواحد من طين .
ثم رأى هذه الدائرة على سرائر " كن " ، فكيفما دار واستدار ، وحيثما طار واستطار ، فإليها يؤول ، وعليها يجول ، ولا يزول عنها ولا يحول .
فواحد شهد كاف الكمالية ، ونون المعرفة .
وواحد شهد ، كاف الكفرية ، ونون النكرة .
فهو على حكم ما شهد ، راجع إلى نقطة دائرة " كن " .
وليس للمكوّن أن يجاوز ما أراده المكوّن .
فإذا نظرت إلى اختلاف أغصان شجرة الكون ، وتنوع ثمارها ، علمت أن أصل
هامش
( 1 ) أي : نظر بإمعان وتبصّر .
( 2 ) حديث صحيح : رواه الإمام أحمد في " المسند " ، والترمذي في " سننه " ، والحاكم في " المستدرك " عن ابن عمر مرفوعا كما في " الجامع الصغير " للسيوطي ( 1 / 70 ) .