لا فرق في ذلك بين قليله وكثيره جليله وحقيره ، لم يكد يخفى عليه أدب من آداب القرآن ، ولا سيما إذا اتضحت المصالح والمفاسد وظهر رجحانها ،
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ
[ فصلت ، 46 ] ،
وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها
[ فصلت : 46 ] ،
وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ
[ الجاثية : 15 ] ،
مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
[ النساء : 123 ] ن
إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
[ الكهف : 30 ] ،
وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها
[ الأنبياء : 47 ] ،
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
[ الزلزلة : 7 ، 8 ] ،
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
[ الكهف : 29 ] .
فصل في ترتيب المصالح والمفاسد
الكذب الذي لا يتعدى ضره ولا نفعه حرام لتضرر الكاذب به ، فإن تعدى ضرره ففيه إثم الكذب ، وإثم ذلك الإضرار على اختلاف مراتبه ، فمن شهد بزور على نفس أو بضع أو مال أثم إثمين ، إثما على الكذب ، وإثما على ذلك الإضرار ، وإن كان في الكذب مصلحة راجحة زال وزره ، وحصل أجر تلك المصلحة من حفظ النفوس والأبضاع والأديان والأموال ، ومن أقر على نفسه كاذبا فقتل أو قطع طرف أو جلد أو بضع ، كان عليه وزر الكذب ووزر السبب إلى القطع والقتل والجلد وتفويت البضع .
والصدق الذي لا يضر ولا ينفع مباح ، فإن أضر كان فيه إثم ذلك الإضرار على اختلاف مراتبه ، فمن دل ظالما على مال معصوم أو بضع أو نفس أو غير ذلك من الحقوق ، فلا إثم عليه من جهة كونه صادقا ، وعليه إثم الدلالة على ذلك الإضرار .
والصدق النافع لا أجر فيه لكونه صدقا ، وفيه الأجر من جهة ما تضمنه من المصالح على اختلاف رتبها ، والغيبة إن ضرت كان فيها إثمها وإثم ذلك الإضرار ، وإن نفعت جازت وكان فيها أجر ذلك النفع على اختلاف مراتبه ، فجرح من شهد بقتل نفس أو قطع طرف أو استحلال بضع أفضل من جرح من شهد بمنفعة أو مال ؛ لأن حفظ النفس والأبضاع والأطراف أفضل من حفظ الأموال ، ولا إثم في النميمة الضارة من جهة كونها / ، ولكن إثمها على قدر ما تجره من الأضرار ، فإن كان فيها نصح ( ق 99 - ب ) للمنموم إليه كان أجرها على قدر مرتبة ما حصلته من المصالح ، فالنميمة لحفظ النفوس أفضل من النميمة لحفظ الأبضاع ، وحفظ الأبضاع أفضل من حفظ الأموال ، ولا تقدر