قلنا : لأنّ الدّعوة عامّة استحقّها الكلّ ، والهدى هو الثّواب على قبول الدّعوة لا يعطى إلّا من استحقّه .
فإن سأل عمّا رواه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « بعثت داعيا ومبلّغا وليس إليّ من الهدى شيء ، وسلّط الشّيطان داعيا ومزيّنا وليس إليه من الإضلال شيء ، بل اللّه يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء » « 1 » فمعنى الهدى هو الثّواب في الجنّة على ما قلنا ، ومعنى الضّلال العقوبة على الإعراض عن الحقّ . فأبان صلّى اللّه عليه وآله أنّ المثيب والمعاقب على الحقيقة خالق الثّواب والعقاب ويوصلهما إلى أهلهما على الاستحقاق ؛ لأنّه العالم بالسّرائر والضّمائر ؛ لا يخفى عليه شيء ، وكان يخفى على المصطفى صلّى اللّه عليه وآله أحوال المثاب والمعاقب .
ولا يهتدي العبد إلّا بهدى اللّه جلّ ذكره ؛ لأنّه بعث الرّسل وأنزل الكتب واتّخذ الحجّة وأعذر في النّصيحة وصرّح الدّعوة وأزال الشّبهة وركّب من الآلة ما لو تفكّر فيه العاقل واعتبر فيه لأبصر الحقّ وعرف الباطل ، قال اللّه تعالى :
مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها
« 2 » .
وقال أمير المؤمنين عليه السّلام : إنّما تنشأ الفتن « 3 » من أهواء تتّبع وآراء تبتدع تخالف فيها كتاب اللّه وسنّة نبيّه . أما واللّه لو خلص الحقّ لم ينكره أحد ، أما واللّه لو خلص الباطل لم يقبله أحد ، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان جميعا فيجاءان « 4 » معا ، فهنالك استولى الشّيطان على أوليائه ونجا الّذين سبقت لهم من اللّه الحسنى « 5 » . قال
هامش
( 1 ) . الجامع الصّغير : 1 / 216 بتفاوت يسير نقلا عن ابن عدي في الكامل .
( 2 ) . الإسراء : 15 .
( 3 ) . في الكافي : إنّما بدء وقوع الفتن .
( 4 ) . في الأصل والكافي : فيجيئان وفي النهج : فيخرجان .
( 5 ) . رواه اليعقوبي في التّاريخ : 2 / 191 والكليني في الكافي : 8 / 57 والرضي في نهج البلاغة الخطبة 49 مع تفاوت في بعض الجمل والكلمات . راجع مصادر نهج البلاغة 2 / 19 .