وسمع ابن جريج « 1 » كلمة حكمة ، فقال : ضالّتي وربّ الكعبة .
وذكر عن بعض السّلف ، قال : قالت الحكمة : إذا طلبتني فلم تجدني فانظر أحسن ما ترى فاعمل به ، وانظر أسوأ ما ترى فاجتنبه .
وقال يحيى « 2 » : الحكمة عرائسي « 3 » فإذا وجدت واحدة منهنّ قيّدتها بقلبي وأدخلتها خزانتي ، فإنّي لها غيور .
وقيل : راحة الحكماء في وجود الحقّ ، وراحة السّفهاء في وجود الباطل .
وقيل : الحكمة سلّم إلى الباري ، من عدمها عدم القرب من باريه .
وقيل : من عرف بالحكمة لاحظته العيون بالوقار .
واعلم أنّ أصل الحكمة وجود الصّواب بتصديق الأثر والخبر ، وسبيلها الصّدق والإخلاص للّه وحده لا شريك له ، وعلامتها رفض الدّنيا ونسيان الخلق وطلب العقبى والإقبال إلى الحقّ ، وظاهرها ترك الذّنوب ، وباطنها إصلاح العيوب ، واللّه تعالى لشرفها وفضلها سمّى نفسه حكيما .
فأوّل درجة الحكمة موافقة العقل ، وأوسطها إظهار العدل ، وأقصاها بذل الفضل ، وهي أجلّ من الدّرّة المكنونة في الخزائن المصونة ؛ لأنّها تدلّ على الحقّ وتدعو إليه وتنهى عن الباطل وتزجر عنه وتقرّب إلى اللّه عزّ وجلّ في دار البقاء وتبلغ منازل الأصفياء ، وهي حياة الأرواح وقوّة الأشباح ، ولقاح الألباب وفصل الخطاب . فطوبى لمن أكرمه اللّه بالحكمة ومنّ عليه بها ، بها يرجى في المهمّات ويفزع إليها في المعضلّات ؛ لأنّها جواهر ذات أثمان يقصر عنها الوصف والبيان ، كنوز مرغوبة وذخائر مطلوبة ومعان محجوبة وخزائن مقفلة وفضائل مهملة ، لا يطّلع عليها إلّا العلماء الرّاسخون ، ولا يبصرها إلّا النّجباء المخلصون ، ولا يتلذّذ بها إلّا من قاسى
هامش
( 1 ) . عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، مات سنة 150 . انظر الأعلام 4 / 160 .
( 2 ) . لعلّ المراد : يحيى بن معاذ الرازي الواعظ . مات بنيسابور سنة 258 .
( 3 ) . في الأصل : عرائس .